

بقلم: رائد الشرطة علي مهدي المنصوري
مقال رأي | ضمن سلسلة: آراء في تطوير جهاز الشرطة العراقي
لا يختلف اثنان على أن جهاز الشرطة العراقي يحتاج إلى إصلاح جوهري غير أن الخلاف يبدأ حين نتساءل: كيف؟ ومن أين نبدأ؟ وما الأدوات الأنجع التي تتلاءم مع خصوصية المجتمع العراقي؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى حقيقة واحدة لا مفرّ منها: الإصلاح الحقيقي لا يكون بضربة واحدة بل هو مسار تدريجي ممتد يُبنى على مراحل وإلا كان مصيره الفشل المحتوم.
درس جمهورية تشيك.. وحدود التطبيق
حين أقدمت جمهورية تشيك على وضع عقيدة أمنية جديدة لجهازها الشرطي اتخذت قراراً جذرياً بتسريح جميع العاملين في الجهاز والاستعاضة عنهم بكوادر جديدة كلياً، بهدف ترسيخ تلك العقيدة وضمان الإيمان بها واستدامتها.
قد يبدو هذا القرار منطقياً في سياقه لكنه لو طُبِّق في العراق لأفضى إلى كارثة اجتماعية وأمنية. فالمجتمع العراقي بتركيبته المعقدة وموروثاته الثقافية العميقة لا يتقبّل التغيير الكلي المفاجئ. فضلاً عن ذلك فإن ما يطمح إليه المواطن العراقي في المقام الأول هو العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وأي قرار يتعارض مع هذين المطلبين محكوم عليه بالرفض الشعبي.
النموذج البولندي.. تجربة تستحق الدراسة
في المقابل تقدّم لنا تجربة بولندا في إصلاح جهازها الشرطي نموذجاً أكثر واقعية وقابلية للتطبيق. إذ عمدت لجان الإصلاح إلى تصنيف العاملين في الجهاز ضمن ثلاث فئات رئيسية مع وضع معالجة مختلفة لكل منها:
الفئة الأولى : تضم المتمسكين بالموروث الشرطوي القديم والمعرقلين لأي مسعى نحو التطوير وهم في الغالب أصحاب الرتب الرفيعة والتجارب الطويلة في ظل المنظومة البائدة. الحل في حقهم يكون بالإحالة إلى التقاعد بصورة لائقة تحفظ كرامتهم.
الفئة الثانية : تشمل الضباط الصغار المتحمسين للتعلم والتطور والذين يحملون طموحات مشروعة في التدرج الوظيفي. هؤلاء يستحقون الاحتضان من خلال منظومة حوافز تشجعهم على استيعاب العقيدة الجديدة وبرامج تدريب وتأهيل تهيئهم لتولي مهام قيادية مستقبلاً. ويُشترط لذلك ألا يكونوا متورطين في أي انتهاكات لحقوق الإنسان فإن ثبت خلاف ذلك بالأدلة وجبت محاسبتهم قضائياً دون تهاون.
الفئة الثالثة : وهي الأهم في تقديري وتتمثل في المدنيين أصحاب التخصص في القانون وحقوق الإنسان. هؤلاء هم من ينبغي أن تُناط بهم مهمة رسم سياسات الجهاز وتدريب العاملين على احترام الإنسان وفهم القانون وتطبيقه. ولا بد أن يتسم هؤلاء بالكفاءة العالية والتخصص الدقيق مع التمييز الواضح بينهم وبين الكوادر الإدارية العاملة في الوزارة.
الشرطة في خدمة المجتمع.. لا فوقه
ثمة ملاحظة جوهرية لا يمكن إغفالها في أي حديث عن إصلاح الشرطة: يجب ألا يشعر العاملون في هذا الجهاز بأنهم فئة مميزة أو طبقة متعالية على المجتمع. بل ينبغي أن يُرسّخ في الوجدان الجمعي مؤسسةً ومواطنين أن الشرطة وُجدت لخدمة الناس وحمايتهم لا للسيطرة عليهم.
هذا التحوّل في المنظومة القيمية ليس ترفاً فكرياً بل هو الأساس الذي يقوم عليه أي إصلاح شرطوي حقيقي ومستدام.
المصادر والمراجع:
تجارب إصلاح الشرطة في دول أوروبا الوسطى والشرقية بعد مرحلة التحول الديمقراطي، ولا سيما التجربتان التشيكية والبولندية، وفق ما رصده باحثون ومختصون عرب في مجال الأمن والإدارة العامة.
المقالات والدراسات التي تناولت نماذج إصلاح المنظومة الأمنية في السياق العربي، والمتاحة عبر المنصات المتخصصة التي يتابعها الكاتب.
المحتوى الأصلي مكتوب بتصرف كامل، ولا يمثّل نقلاً حرفياً عن أي مصدر بعينه، بل إعادة صياغة وتحليل لآراء متخصصين في ضوء الواقع العراقي.
