النجف الأشرف – زينب الجيلاوي
قبل أن يعلو أذان المغرب بنحو نصف ساعة، تتغير ملامح الأزقة القديمة في النجف الأشرف. الأبواب تُفتح بهدوء، والصحون المُغطاة بعناية تنتقل من بيتٍ إلى آخر، تحمل معها روائح الهيل والدهن الحرّ، ودفء القلوب قبل دفء الطعام.
من العادات النجفية العريقة في شهر رمضان، تبادل أطباق الإفطار بين الجيران والأصدقاء؛ عادةٌ لم تكتبها القوانين، لكنها رُسِّخت في الضمير الجمعي جيلاً بعد جيل. هنا لا يُقاس الكرم بحجم الطبق، بل بنيّة المشاركة، ولا تُختزل المودة بكلمات، بل تُترجم بأرزٍ مفلفل، أو مرقٍ ساخن، أو حلوى أُعدّت على عجلٍ قبل الأذان.
في الأحياء الشعبية، ترى الأطفال يتسابقون حاملين الصحون إلى بيوت الجيران، وكأنهم رسلُ محبةٍ صغار. تطرق الأبواب طرقاتٍ خفيفة، تُفتح بابتسامة، ويُستبدل الطبق بآخر، في مشهدٍ يتكرر كل مساءٍ رمضاني، لكنه لا يفقد دهشته أبدًا.
هذه العادة لا تقتصر على تبادل الطعام فحسب، بل تؤسس لمعنى اجتماعي عميق؛ فهي إعلان يومي بأن الجار ليس مجرد ساكنٍ قريب، بل شريك في الفرح والصوم والدعاء. إنها رسالة غير مكتوبة بأن المائدة الرمضانية في النجف لا تكتمل إلا إذا شارك فيها الآخرون.
ومع تسارع الحياة وتبدل أنماط العيش، ما زالت هذه العادة تقاوم الاندثار، تحافظ على حضورها في الأزقة القديمة وبعض الأحياء الحديثة، كأنها تقول إن رمضان في النجف ليس طقوس عبادة فحسب، بل مدرسة تضامنٍ اجتماعي، تتجدد كل عام قبل أذان المغرب بنصف ساعة.
قبل أذان المغرب بنصف ساعة… حين تتكلم الصحون بلهجة النجف
