العقل سيفُ الحقيقة… والإنسان غايتها:

حسام الشحماني3 ساعات agoLast Update :
حسام الشحماني

علاء كاظم الوردي

لكتابة في هذا الوجود الكوني المترامي الأطراف، معها تتسع الأسئلة وكلما اتسعت مساحات المعرفة، يبدو الإنسان عابراً صغيراُ في مشهدٍ هائل، لكنه عابر يملك قدرةً استثنائية على أن يترك أثراً لا تمحوه الأزمنة.
فالعابرون في حياتنا كثيرون، يأتون ويرحلون، تتبدل الوجوه وتتغير الأمكنة، لكن البصمات الحقيقية تظل عملة نادرة… نعم، إنها عملة نادرة؛ لأن الأثر لا تصنعه كثرة الحضور، بل عمق المعنى الذي يتركه الإنسان وراءه.
ولعل من أجمل ما يمكن أن نتدبره في هذا الوجود أن العقل ليس مجرد أداة للمعرفة، بل هو أحد المفاتيح الكبرى لفهم نظام الكون والحياة والإنسان. فالعقول هي التي تبحث عن العلل، وتفكك الظواهر، وتعيد ترتيب الأسئلة، وتفتح الأبواب المغلقة أمام المعنى.
ومن هنا تبدأ الحاجة إلى أن تنتقل بعض النصوص من مجرد القراءة إلى العقلنة، ومن العقلنة إلى أنسنة النص؛ أي أن نعيد قراءة النصوص بروحٍ تجعل الإنسان غايتها، والمعرفة وسيلتها، والحكمة مقصدها، بعيداً عن الجمود الذي يحول النص إلى قيدِ بدل أن يكون نافذة على الحقيقة.
وهنا، ربما نحتاج إلى أن نسمع ممن يدّعي الحكمة مشروعاً فكرياً جديداً، يكون امتداداً للنزعة العقلانية، مشروعاً يسعى إلى البرهان على وحدة الحقيقة، ووحدة الحكمة، ووحدة العقل الإنساني، فالحقيقة مهما تعددت طرق الوصول إليها، لا يمكن أن تكون حقائق متناقضة في جوهرها، والحكمة لا ينبغي أن تكون حكراً على جماعة أو مذهب أو عصر.
وعندما نصل إلى هذه النقطة، يمكن أن تتكامل الأدوار بين الحكمة والشريعة، وبين العقل والنص، فلا يكون العقل خصماً للنص، ولا يصبح النص عدواً للعقل، بل يلتقيان في فضاء أرحب.
فضاء الإنسان الباحث عن الحقيقة.
وربما تكون الاختلافات التي نشأت بين أتباع الديانات النبوية، بل وحتى داخل الدين الواحد، قابلة لأن تُفهم بصورة أعمق، وربما يمكن تجاوز الكثير منها إذا نجحنا في عقلنتها، والكشف عن عللها التاريخية والفكرية والنفسية، بقراءة منفتحة لا تخاف السؤال ولا ترتعب من النقد.
إن الانطلاق من فكرة أن الأديان قد تتعدد في شرائعها ومناهجها، بينما تلتقي في جوهرها الأخلاقي والروحي والإنساني، قد يفتح أمامنا طريقاً آخر للحوار، طريقاً لا يقوم على إلغاء الاختلاف، بل على فهمه، ولا يسعى إلى محو التنوع، بل إلى اكتشاف ما وراء التنوع من مشترك إنساني.
فالعقل سيفٌ قاطع، لكنه لا ينبغي أن يكون سيفاً على الإنسان؛ بل سيفاً على الوهم، والتعصب، والجمود، وسوء الفهم. والعقل الذي لا يقود إلى الإنسان يظل عقلاً ناقص الغاية، كما أن النص الذي لا يضيء حياة الإنسان قد يتحول، بفعل القراءة الجامدة، إلى حروفٍ مغلقة على نفسها.
نحن بحاجة إلى عقلٍ لا يهدم المقدس، بل يفهمه؛ وإلى حكمةٍ لا تخاف السؤال، بل تتغذى منه؛ وإلى قراءةٍ لا تكتفي بأن تسأل: ماذا قال النص؟ بل تسأل أيضاً: ماذا أراد أن يصنع في الإنسان؟
لعلنا، حين نفعل ذلك، نكتشف أن الاختلاف ليس دائماً جداراً، وأن التعدد ليس بالضرورة خصومة، وأن الحقيقة أكبر من أن تسكن في نافذة واحدة.
وفي النهاية، يبقى هذا كله مجرد رأي من الآراء… وربما لا يخلو من شيء من الشطحة الفكرية؛ لكن أليست بعض الشطحات هي التي تدفع العقل إلى مغادرة المألوف، والبحث عن أفقٍ لم نره بعد؟
فربما لا يكون الإنسان عابراً في هذا الكون كما نظن، إذا استطاع أن يترك وراءه فكرةً تُنير، وحكمةً تُحرر، وبصمةً لا يطويها العبور.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة