علاء كاظم الوردي


حين يقترن المقدس بالعنف تتحول الحياة إلى جحيم وصدام وهوس دموي، يرتكز على فعل وإزاحة وتصفية الآخر، وفق تصورات ومرجعيات تبرر القتل وتشرعن الإرهاب الأسود، ويصبح الواقع مساحة الزيف وتمرير الشعارات والنزوعات البراغماتية للكشف عن المسكوت عنه والباطني، وجعل الزيف هو العنوان والغاية،وتصبح الحياة ليس صراعا بين الخير والشر، بحسب الميثولوجيات القديمة، بل صراع بين الحقيقة والوهم المؤدلج، وتقع المجتمعات التي تعاني من هذا الطاعون الديني في معترك العبث والموت المجاني وغياب العدالة والعقلانية، والوعي والتنوير الذي يضع المجتمعات المتوازنة، القائمة على القيم النوعية وليس القيم الكمية.
وجدت ضرورة استهلالية للمقاربة النقدية التي سأتناول بها رواية (مدينة بلا نوافذ) للروائي علاء الوردي، الصادرة عن دار السرد -بغداد سنة 2026,
فالرواية تشتبك مع هذه المعطيات وتؤسس عالما روائياً مركباً، يمزج الواقع بالتاريخ ويؤسس لبنية إسقاطية للإشارة بينهما.
وتُحيلنا سيميائية العنوان إلى دلالة تعبر عن الانغلاق والتحجر العقائدي وإلى الانقطاع عن العالم السوي وتصبح المدينة تشبه قلعة ٱلموت التي انتجها عقل راديكالي وشخصية صنعتها أحداث ملتبسة لاهوتية، وسياسية هي شخصية حسن الصباح، مؤسس وزعيم فرقة أو جماعة الحشاشين.
العنوان يشير رمزياً إلى هذا الجمود العقائدي وهيمنة العنف بذريعة اللاهوت، وعلى طريقة الفكر الظلامي الداعشي، الذي حول مدينة الموصل إلى قلعة للموت والقتل والتهجير والسبي وكل أشكال المحو ضد الآخر المختلف. منذ البدء تدفعنا الرواية ازاء هذا الاشتباك بين الحدث المعاصر وحروب داعش العبثية، بين أحداث وسيرة حسن الصباح، وسيرة زوجته صابرين، ودور الجماعة في التصدي للسلاجقة والعباسيين كرد فعل أو احتجاج على الأوضاع المتردية وهيمنة الخلافة والاقطاع الكهنوتي، على مصائر الشعوب، بعد انحدار المنظومة السلطوية واقترانها بالفكر الميتافيزيقي والفقهي، وتعدد انساق التفكير الديني وارتكازه على الصراع السياسي والطبقي والفقهي وانتشار السرديات الغيبية.
يتشكل مفهوم أو تقنية السرد المتوازي الثنائي الذي يتناول اجرئياً مسار أحداث قلعة ٱلموت وشيخ الجبل، والمسار الآخر المعاصر وما تعرض له عمر ونسرين من علاقة بين اختلاف ديني ينصهر في خضم علاقة حب تسمو على هذا التناقض.
يقدم الروائي مجموعة الأصدقاء الذين يتحولون إلى رواة تارة وإلى شهود تارة أخرى، تتناول الأحداث التاريخية والحدث المعاصر المشار اليهما وفق بنية اسقاطية وكأن التاريخ يعيد إنتاج البؤرة والوقائع المأزومة في كل مرة، إذا ما توافرت الاشتراطات والعوامل التي تؤدي إلى خلف القلاع والمدن المغلفة بالأفكار والتصورات المتطرفة والمؤدلجة، فيتصاعد الجدل بين الأصدقاء، جلال وسعد، ماجد وصادق، ثم عمر.
لكن شخصية عمر تعد الشخصية المحورية مع شخصية حبيبته نسرين، وهي طبيبة مسيحية يتحول الحب إلى اقتران إنساني بعيداُ عن إشكاليات الفهم والموروث الديني، وهي لمحة روائية للتوكيد على المنطق المدني الإنساني، بعيداُ عن الصراع الهوياتي وسلبياته… فالرواية تطرح هذه الإشكالية وتقدم تصورا متقدماً، لخلفيات وتداعيات تشظي الهوية على شكل مفارقة وجودية نجدها في القتال القائم بين الدين الواحد، كصورة عبثية لصراع الهويات والجماعات والتضاد الذي يمزج وحدة المجتمع والعقل، الذي يؤدي كما تسميه الرواية ب( الكهنوت الدموي).
تقدم الرواية توثيقا تاريخيا لأحداث قلعة ألموت، ومعارك الحشاشين واسلوبهم في الاغتيال وصناعة( الفدائي) المؤدلج دينياً، وبين أحداث داعش واحتلال الموصل.
وبتصاعد فعل الحب والعشق بين عمر ونسرين، وفعل العنف الوحشي الداعشي في قطع رأس أبي نسرين العقيد ميخائيل جبرا، بوضعه داخل صندوق مغلق، وهو رمز للانغلاق العقائدي والتحجر العدمي، وبعدها يتم اعتقال فاروق أبي عمر وتتصاعد الأحداث الدرامية، وتصل ذروتها بسفر نسرين إلى الموصل، وقرارها الجنوني بمواجهة أبي عبيدة، الذباح ووالي الجماعة، تًحتجز مع السبايا ولكنها تتطلع إلى الانتقام والخلاص والانتصار للحب ولابيها ولحبيبها.
هذا المحمول الإنساني والعاطفي يتم إسقاطه على شخصية صابرين، التي واجهت مقتل ابنها الحسين تحت سطوة العنف بداخل القلعة، وتبدأ مأساتها وتشردها وهجرها لزوجها شيخ القلعة.ويتصاعد السرد التناوبي أو المتوازي بين كلا الأحداث واستحضار الماضي متأطراً بالشخصيتين اللتين تتحولان إلى قربان للحب وسط العنف والانحراف والعبث, يوظف الروائي وقائع التاريخ ويقدم توثيقاً لأحداث قلعة ٱلموت، وزعيمها حسن الصباح، وعوامل تُشكلها سيرته الذاتية، والظروف التي أدت إلى ظاهرة الحشاشين بوصفهم جماعة عبَرت عن الاحتجاج وكشفت عن تأزم التناقضات في تلك المرحلة من التاريخ الملتبس والمأزوم.
تنتهي الرواية بتمكن نسرين من الافلات من أسر الداعشيين، وينجح عمر باللقاء بها بعد أن تنهار الجماعة تحت وطأة المواجهة والقصف، ومعركة تحرير الموصل.
على الرغم من جماليات السرد المتوازي وتعميق بنية الإسقاط، وتقديم الشخصيات وتؤفر المعنى الفكري، في جدل الأصدقاء الخمسة إلا أن الرواية عانت من بعض، الملاحظات التي لم تقلل من جماليتها ورقة توجهها وسعيها لتمجيد الإنسان، وجودا أو فكرة، فقد ظل الرواة الأربعة مجرد رواة معزولين لا فعل لهم سوى النقاش.
الرواية هي إشارة للمثقف المعزول والنخبوي، وكأنهم إشارة إلى الأبراج العاجية، في حين نجد فعل المرأة نسرين أقوى من كل جدلهم / لم يستثمر الكاتب البوليفينة إلا في مقطع واحد، كان الفصل أو المقطع الأخير فائضاً تماماً عن حاجة السرد، فكان مساحة قلقة فيها من التقريرية، وتحول الصفحات الأخيرة إلى ما يشبه المقال الصحفي الوصفي، لما ٱن إليه الأوضاع، بعد اندحار الظلاميين الدواعش.
ووفقاً للقراءة الموضوعية فإن الرواية نجحت في تقديم رؤية جمالية وفكرية وتمكنت من توظيف النسق التاريخي وربطه بالأحداث المعاصرة وقدمت فضاء لمعنى الحب وإشكالية التسوية وهيمنة العنف .




