بغداد… وانا

حسام الشحماني10 أغسطس 2026Last Update :
حسام الشحماني

رحلة في مدينة حين نمشي فيها لا نقرأ التاريخ … بل نشاهده

وداد الخزرجي

بغداد العظيمة …
يا نثر قلبي…
يا من يرتل بعطرك تاريخ الاولياء والشهداء …
تقيمين في ذاكرتي، ولا تمرين فيها كوجع، بل كجمال لا يرغب القلب في الشفاء منه.

لو كانت المدن وجوها، لكانت بغداد وجه امرأة بغدادية تعرف سر جمالها ولا تقوله.
تستيقظ قبل الفجر، تغسل وجهها بماء دجلة، تلف شعرها بضوء الصباح، تفتح شبابيكها على النخيل، ثم تقول للنهار:
ها… شبيك متأخر؟
فيصحو النهار خجلاً.

هذه ليست مقدمة لمقال.
هذه دعوة الى رحلة.
ضعوا الخرائط جانباً، واتركوا الهاتف في جيوبكم، وتعالوا معي.
سنمشي ببغداد كما لو اننا دخلنا مشهداً سينمائياً قديماً، لكن الكاميرا هذه المرة ليست في يد مخرج؛ انها في عين الذاكرة.
وسوف لن اقول لكم: هنا شارع، وهناك سوق، وذاك مبنى.
بل سأترك الامكنة تتكلم.
فبغداد لا تحب الادلة السياحية .
بغداد تحب الدليل الذي يقول:
تعال يمه… بعدك ما شفت شي.

صباح بغداد… حين يفتح النهر عينيه
في الصباح البغدادي، لا تشرق الشمس فجأة.
تتسلل.
تضع خيطاً ذهبياً على سطح دجلة، ثم تتقدم بهدوء، كأنها تخشى ان توقظ المدينة قبل موعدها.
هناك، عند النهر، تبدأ الحكاية.
دجلة هادئ كعاشق استنفد كل كلامه، ولم يبق له سوى النظر.
وعلى الضفة، شجرة نخيل ترفع رأسها الى السماء، كأنها امرأة بغدادية عجوز تحفظ الدعاء اكثر مما تحفظ الاسماء.
اما بغداد …
ام البساتين.
مدينة كانت البساتين فيها ليست مجرد خضرة، بل حياة كاملة: نارنج، ليمون، نخيل، رمان، وبيوت تتنفس من خلال حدائقها.
كان الصباح يدخل تلك البيوت قبل اهلها.
رائحة خبز.
صوت ماء.
امرأة تنادي:
_ يمه… چيبي الاستكانات.

وصوت آخر من آخر الحوش:
_بعده الچاي ما فار

ثم يضحك احدهم.
وتبدأ بغداد.

في احد الازقة القديمة …
كانت فتاة تمشي.
عباءتها على رأسها، وخطواتها هادئة، وشعرها النبيذي، بلون الحناء، ينساب تحت العباءة ثم يظهر منها خيط خفيف ، عند كتفها يثمل من لونه العاشق .
وكان عطرها من صابون الغار؛ رائحة نظافة قديمة، لا تحتاج الى زجاجة عطر فاخرة كي تقول : مرت من هنا امرأة.
كانت تسمى رحمة.
ولا ادري لماذا اختار لها اهلها هذا الاسم.
ربما لانها كانت تمشي في الزقاق، فيهدأ.
وربما لان بغداد نفسها كانت تحتاج يومها الى شيء من الرحمة.
كان هناك شاب يراها من بعيد.
لا يقترب.
لا يلوح.
لا يرسل رسالة.
فالحب العذري في بغداد القديمة لم يكن يعرف الهاتف.
كان يعرف النافذة.
والظل.
والصدفة.
والموعد الذي لا يسمى موعدا.
كان يكتب لها قصائد في دفتر .
يكتب الصفحة.
ثم يطويها.
ويكتب اخرى.
ثم يخفيها.
لم تقرأ رحمة قصيدة واحدة.
وهذا اجمل ما في الحكاية.
لان بعض القصائد لا تكتب لكي تصل الى المعشوقة.
تكتب لكي ينجو الشاعر من فائض قلبه.
وكان يقول:

_ اذا قرتها … اخاف ينتهي الحب.
فالحب عنده لم يكن وصولاً.
كان مسافة.
وكان القمر شاهداً على تلك المسافة.

في الليل…
كان يجلس العاشق قرب دجلة.
يفتح دفتره.
يضعه على ركبته.
ويرفع رأسه الى القمر.
ثم يكتب:
يا رحمة،
ما جئت اطلب منك وعداً،
جئت فقط لاقول للليل
ان في بغداد امرأة
اذا مرت،
ارتبك القمر في مائه.
ثم يتوقف.
يمزق الورقة.
ويرميها في دجلة.
فتأخذها المياه.
وتسافر.
ربما الى الكرخ.
ربما الى الرصافة.
وربما الى زمن آخر.
وهنا تبدأ بغداد بممارسة سحرها القديم:
تحول الورقة الصغيرة الى ذاكرة لا تموت.

تعالوا من الكرخ الى الرصافة

سنترك النهر قليلاً.
نعبر.
لا تسألوني عن الطريق.
اتبعوا صوت بغداد.
من الكرخ نعبر نحو الرصافة، فتتبدل ملامح المشهد كما لو ان المدينة غيرت ثوبها.
هنا حكاية.
وهناك حكاية.
وهنا بيت قديم يعرفه اهله من بابه قبل عنوانه.
وهناك دكان صغير تعلق على واجهته اشياء لا تعرف لماذا بقيت حتى اليوم، لكنها بقيت لان بغداد لا ترمي ذكرياتها بسهولة.
في الرصافة…
يتقدم شارع الرشيد كأنه عمود فقري لذاكرة المدينة.
يمر بنا الميدان.
وتقترب الشورجة.
وتتداخل اصوات الباعة.
العطار.
الصفار.
الخياط.
الاسكافي.
صاحب السماور.
بائع السميط.
والمنادي الذي يعرف كيف يجعل السوق كله يلتفت اليه بمجرد صيحة:

_ ها خال… تعال شوف …
وفي بغداد، حتى النداء مهنة.

نمضي الى شارع النهر.
هنا لا تسير وحدك.
التاريخ يسير معك.
كان الشارع جزءاً من قلب الحياة التجارية والاجتماعية في بغداد، ومشهداً من مشاهد المدينة التي تتجاور فيها الدكاكين والمهن والحركة اليومية.
لكنني لا اريد ان احدثكم عن الشارع كما تحدثنا كتب الحكايات .
اريدكم ان تروا المشهد.
تاجر يفتح دكانه.
عامل يحمل صندوقاً.
امرأة تتعامل على قطعة قماش.
طفل يركض.
ورجل مسن يقول :
_ يمعود… لا تشتري هسه، بعدين يرخص
ثم يشتريها هو نفسه.
لان البغدادي يعرف نصائح الشراء، لكنه لا يلتزم بها دائماً.
ومن شارع النهر…
تتقدم رائحة النحاس قبل صوت المطارق.
فنصل الى سوق الصفافير.
وهنا…
تبدأ الموسيقى.

طرقات النحاس ليست ضجيجاً.
انها ايقاع.
طن… طن… طن…
كأن بغداد تطرق على باب الزمن وتقول:
بعدك هنا … بعدك ساكني … بعدك تزورني …
الصانع يجلس امام دكانه.
يداه تعرفان النحاس اكثر مما تعرفان الكلام.
كل ضربة مطرقة تترك اثراً.
وكل اناء يخرج من النار يحمل بصمة يد.
وفي هذا السوق، لا ترى صناعة فقط.
ترى مهنة كانت تنتقل من الاب الى الابن، وحرفة اختلط فيها الجمال بالرزق، والوظيفة بالفن.
كنت اتخيل دائماً ان الصفافير لا يصنعون النحاس.
كانوا يصنعون صوت بغداد.
صوتاً اذا سمعته بعد خمسين سنة، ستعرفه فوراً.
لان الذاكرة لا تحفظ الاشياء وحدها.
تحفظ اصواتها.

نترك السوق.
نواصل السير.
وفجأة…
يتغير الهواء.
نصل الى المدرسة المستنصرية.
هنا ينبغي ان نتحدث بصوت منخفض.
فبعض الاماكن لا تحتاج الى رفع الصوت كي تثبت عظمتها.
تقف المستنصرية كأنها شيخ وقور، لا يستعرض عمره، لكنه يعرف ان عمره اطول من كثير من المدن والرجال.
ننظر الى الطابوق.
الى الاقواس.
الى الفناء.
فنكتشف ان بغداد لم تكن مدينة اسواق فقط.
كانت مدينة علم.
مدينة كتاب.
مدينة سؤال.
مدينة رجل يختلف مع رجل في فكرة، ثم يجلسان معا على استكان چاي.
وهذه واحدة من اجمل خصال بغداد:
انها تستطيع ان تجمع المختلفين حول مائدة واحدة، ثم تتركهم يختلفون حتى يبرد چايهم

وهنا اتوقف قليلاً.
لانني لا استطيع ان اكتب عن بغداد دون ان اسمع صوت الشعر.
فوكلما اقتربت من اسمها، خرجت مني جملة تشبه القصيدة.
كتبت مرة:
صباحاتك زهد
يتوضأ بعذوبة
على احلام العاشقين.
لم اكتبها لكي اصف صباح بغداد.
كنت اريد ان اقول ان الصباح فيها ليس وقتا من اليوم.
انه حالة روحية.
وكتبت:
وفيك يصبح الضوء لغة،
لتعلم فنون الشعر والادب.
لان بغداد لا تكتفي بأن تضيء.
هي تعلمك كيف ترى الضوء.
وكتبت ايضا:
والوقت فيك نحر عقاربه
ليرتشف من سهادك السهر.
لان بعض المدن تقتل الوقت بالضجيج.
اما بغداد…
فتجعله يجلس الى جوارها، ويشرب معها الچاي والگهوة والحماس ( النومي بصرة) حتى الفجر.

ثم يأتي الليل.
وتغلق الدكاكين ابوابها.
وتسكن حركة السوق.
ويعود الناس الى بيوتهم.
لكن بغداد لا تسلم نفسها للنوم تماماً.
هناك رجل يمشي.
الچرخچي.
عصاه في يده.
وصافرته المعدنية معه.
يمر في الازقة.
يفتش بعينه عن السكون.
لا يريد من الناس شيئا.
لا مالاً …
ولا شكراً …
فقط يطمئن:
الجميع بخير.
الابواب مغلقة.
الاطفال نائمون.
المدينة آمنة.
ثم يصفر.
فتصل الصافرة الى شباك امرأة مستيقظة.
فتبتسم.
وتقول:
الحمد لله.
يا لهذه المدينة…
حتى حارس الليل فيها كان يحمل رسالة طمأنينة.

كانت رحمة لا تزال مستيقظة.
تجلس قرب الشباك.
تسرح شعرها النبيذي.
وتشم رائحة صابون الغار العالقة في خصلاته.
لم تكن تعرف ان هناك شاباً في مكان ما يكتب عنها.
ولم تكن تعرف ان قصائده التي لم تقرأها ستصبح يوماً جزءا من ذاكرة بغداد.
كانت تنظر الى القمر.
والقمر ينظر الى دجلة.
ودجلة ينظر الى بغداد.
وبغداد…
تنظر الينا.
وهكذا تتصل الحكاية.
امرأة.
وعاشق.
وقمر.
ونهر.
ومدينة.
وخمسة اشياء لا يفهمها العقل، لكنه يعرفها القلب:
الحب، والانتظار، والذاكرة، والوطن، والحنين.
بغداد… حين يضيق العالم
لا تحتاج الى تفسير.
غرورك فتنة،
تربك القمر حين يمر بقداحك،
لانك اقدم من دهشته
واعمق من صورته في الماء.

وكلما عدت الى هذه الجملة، شعرت انني لم اكن اكتب عن مدينة.
كنت احاور مدينة.
مغرورة نعم…
لكن غرورها جميل.
لانها تعرف قيمتها.

وعشقك يا بغداد جنون نبيل،
اغوى دجلة
حتى نسي مجراه،
فارتمى في حضنك
نهراً مطيعاً…

كنت ارى بغداد من جهة اخرى.
من جهة العلاقة بينها وبين دجلة.
فالنهر ليس خلفية للمدينة.
انه شريكها في الحكاية.
يتوسطها منذ قرون، يحمل وجوه اهلها، ويعكس مآذنها، ويصغي الى قصصها، ثم يمضي…
بينما تبقى بغداد.

باب بغداد الذي لا يغلق
لن تنتهي الرحلة هنا.

سنعود قريباً الى قلب الرصافة، وندخل ازقة بغداد القديمة، ونقترب اكثر من المقاهي البغدادية، وشارع الرشيد، وسوق الشورجة، والبيوت ذات الشناشيل.
وسنلتقي رحمة مرة اخرى…
لكن هذه المرة، سيظهر دفتر القصائد.
وسيحدث ما لم يكن في الحسبان.
لان بغداد لا تحب الحكايات السهلة.
هي تحب ان تمنح العاشق وردة بيد…
وتخفي عنه شوكتها باليد الاخرى.
وهذه هي بغداد…
حين تضيق الدنيا،
تتسع هي.
وحين يخون كل شيء معناه،
تبقى هي دليل المعنى.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة