
بقلم: م.م. علي يحيى الحدراوي
ليس من العدل أن يُستدعى الموظف كلما ضاقت خزائن الدولة، ثم يُنسى كلما امتلأت. ففي كل أزمة مالية تُرفع في وجهه شعارات الصبر والتضحية، ويُقال له إن الوطن يمر بمرحلة حرجة، وإن عليه أن يتحمل تأخير راتبه، أو استقطاع جزءٍ منه، أو تجميد حقوقه الوظيفية، وكأن إنقاذ المالية العامة لا يقوم إلا على كتفيه.
غير أن المشهد ينقلب تمامًا حين تعود الوفرة، وترتفع أسعار النفط، وتفيض الإيرادات. عندها تتوارى لغة التضحية، وتظهر لغة الامتيازات، وتُفتح أبواب الإنفاق بسخاء، بينما يبقى الموظف واقفًا خلف أبواب الانتظار، يراقب ثروة وطنه وهي تمر من أمامه دون أن تنعكس على حياته أو كرامته المعيشية.
أي منطق هذا الذي يجعل المواطن شريكًا في الخسائر، لكنه ليس شريكًا في الأرباح؟ وأي عقد اجتماعي يقبل أن تُوزَّع الأعباء على الجميع، بينما تُحتكر المنافع لفئات محددة؟ إن الدولة التي تطالب أبناءها بالصبر ساعة العسر، مطالبة قبل غيرها بأن تُنصفهم ساعة اليسر، وإلا تحولت الدعوة إلى التضحية من قيمة وطنية إلى أداة لفرض الظلم.
إن الموظف العراقي لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كان أحد أعمدة بقائها. واصل عمله في أصعب الظروف، وحافظ على استمرار مؤسساتها، ودفع من قوته وقوت عائلته ثمن الأزمات المتلاحقة. ومن غير المقبول أن يُكافأ هذا الصبر بمزيد من التهميش، بينما تُهدر مليارات الوفرة بعيدًا عن أولويات المواطن.
إن العدالة المالية ليست منحة تمنحها الحكومات متى شاءت، بل هي حق دستوري وأخلاقي. فمن شارك في تحمل الأزمة، يجب أن يكون أول من يقطف ثمار التعافي. أما أن يكون الموظف مصرفًا للأزمات، وخارج حسابات الوفرة، فذلك ليس إصلاحًا اقتصاديًا، بل اختلالًا في ميزان العدالة، وتآكلًا في الثقة بين الدولة ومواطنيها.
ولذلك نقولها بوضوح: لن تستقيم دولةٌ تجعل الموظف شريكًا في التقشف، ثم تستبعده من الرخاء. فالعدالة لا تعرف موسمين؛ موسمًا للتضحيات وآخر للامتيازات، وإنما هي مبدأ ثابت، إما أن يسري على الجميع، أو يفقد معناه.



