بقلم د. صافي العمّال

تُعد قصة “غائب جداً” للقاص والروائي رياض داخل، نصاً سردياً يعتمد تقنية الانقسام الذاتي، التي وصفها “كارل يونغ” في نظريته، عندما تحدث عن “”الذات، والظل”، وهما المفهومات المتناغمان في فهم الشخصية الانسانية، فالذات هي المركز النفسي الكلي الذي يشتمل على الوعي واللاوعي، ويسعى الانسان الى النمو والارتقاء بها لتحقيق التوازن النفسي والكمال، من خلال عملية اسماها ” التفرد”. أما الظل فهو الجزء الخفي منها الذي يحتوي الافكار والرغبات التي يرفضها الوعي، وتدفع لا شعورياً الى اللاوعي كالعدوان والانانية والرغبات المكبوتة، التي قد تحمل في الجانب الاخر منها طاقات ايجابية إذا ما واجه الفرد مكنونات الظل واعترف بها بدلاً من انكارها.
إن القصة بثيمتها الرئيسة تحاكي مفهوم “الحوار الداخلي” لدى “ليف فيغوتسكي” رائد علم النفس اللغوي، الذي اشار الى ان اللغة الداخلية، او الحوار مع الذات ماهي الا آلية ناجعة للتنظيم الذاتي للشخصية الانسانية. وقد كان الكاتب “رياض داخل” واضحاً في تقديم الشخصية الرئيسية في القصة “غائب” على انه يعيش حالة من “الاغتراب الوجودي” والسعي لإيجاد معنى لحياته وسط اجواء القلق التي اشاعتها الحرية الوجودية، وفقاً لتوجهات “رولو ماي، وفيكتور فرانكل” الذي تمثلت فكرتهما الاساسية بأن من يملك سبباً للعيش يستطيع ان يتحمل أي معاناة، وهذا ما لخص ثيمة قصة “غائب حداً”
تفكيك رمزية القصة:
القفل والمفتاح: يمثلان دون مواربة “الوعي واللاوعي”، وعلاقتهما الجدلية. القفل هو رمزية دالة عن “الذات” باعتمادها “الإزاحة” كآلية دفاعية تقاوم الانفتاح على ذاتها الحقيقية. أما المفتاح الذي يُسلَّم للغريب، ما هو الا تجسيد واضح لتسليم السيطرة للجانب المكبوت في الذات، الذي يعبر عن الرغبة الايروسية التي ترتبط بغريزة الحياة في فك القيود القمعية، وفقاً لفرويد.
الغريب / “أنا أنت”: الغريب في هذه القصة، هو “الأنا الحقيقية” التي يقمعها غائب. ومقولة “أنا/أنت” تحيلنا إلى ديالكتيك الأنا والآخر عند “هيجل”، الذي يرى ان الوعي بالذات لا يكتمل إلا عبر اعتراف الآخر بها، من خلال الصراع والتوتر. يتماثل مع مفهوم “الآخر الكبير” عند جاك لاكان، الذي لا يمثل شخصاً بطبيعة الحال، بل البنية الرمزية للمجتمع واللغة، اللذان نتعلم من خلالهما الكلام وفهم أنفسنا. ويمكن القول ايضاً أن “الغريب” هنا هو الظل اليونغي الذي عبّر عنه بالقول: حتى نور الشمس لا يُرى دون ظل.
الكهرباء والظلام: الكهرباء المتقطعة رمز للوعي المتقطع، غير المستقر، أما الظلام فهو رمزية ذكية اوردها الكاتب تعبيراً عن اللاوعي الجمعي. فعبارة “التفكير بالكهرباء الدائمة كفر” تشير الى العجز، والخوف المرضي لدى غائب من المواجهة الكاملة للذات، وهو ما يسميه فرويد بـمقاومة التحليل، فالظلام الذي “قرر أن يغادر” هو لحظة التنوير المفاجئة.
تعدد النسخ (الظاهرة الغروتسكية): ظهور نسخ متعددة لكل شخص هو أبلغ تجسيد لـ “الشخصيات الفرعية في نظرية أساجيولي”، الذي يؤكد أن كل إنسان يحمل أقنعة متعددة تتناقض مع لا وعيه، او ظله الذاتي، وهي انقسام داخلي للذات، فكل شخص مشغول بنسخته الذاتية المنقسمة ذاتياَ، التي يعدها” فروم” مرض العصر الحديث. كما كان الكاتب بارعاً في اقتناص مفهوم “الغروتسكية” في تشويه الجمال المألوف، وخلط التناقضات لإنتاج سردية قصصية غريبة وساخرة، وهي بكل الاحوال صادمة.
سيكولوجية (غائب/غايب):
يحمل بطل القصة، سمات او لنقل اعراض يمكن وصفها بانها اضطراب نفسي محتمل، تتمثل في التمثيل او تخيل السكر دون سكر حقيقي، وهو اضطراب الهوية الفصامي، أو التظاهر المرضي، حتى لو كان رمزياً او متخيلاً. أما التفاوض مع الجماد ما هو ألا إسقاط للمشاعر على العالم الخارجي، وفقاً لـ “ميلاني كلاين”. كما أن الخوف من رؤية وجه الغريب، تتمثل في فوبيا المواجهة الذاتية، أو ما يسميه يونغ بـ”الخوف من لقاء الظل”.
نمط شخصية” غائب” يتمثل في عدد من سمات الشخصية الانعزالية. من خلال رفضه للذوق العام، والتناقض الموقفي، حين يتشاجر ربع ساعة ثم يعتذر. واستعمال تكنيك ابتدعه “اوتو كيرنبرغ” في تفسير آليات الدفاع الانعزالية النرجسية، عندما تتذبذب المواقف الشخصية بين العظمة والانهيار. وكذلك في الاستسلام الوجودي بالاعتراف “قبول الاسم والواقع” وهو ما يسميه فيكتور فرانكل بـ”الاستسلام الوجودي” بدلاً من الإرادة نحو تحقيق معنى الحياة.
إن رحلة غائب النفسية تمثلت بتداخل العديد من المفاهيم النفسية فيها، كالإنكار “حين يتوهم انه سكران، وعدم القدرة على المواجهة مع الذات “المواجهة الجزئية” عندما يخشى رؤية الآخر، والانهيار بالصراخ وشتم كل شيء، مروراً بلحظة الغرور الدفاعي والقبول بكونه أفضل الجميع، والاختفاء، وتطابق الذات الكامل، فيختفي، ويعلن الموت الرمزي للذات.
(مقاربة) هل الكاتب يقصد نفسه؟
هل يمكن أن يكون بعض “غائب” في كاتب القصة، والعكس صحيح؟ يمكننا القول “نعم” دون مواربة. ان “غائب” هو الوجه المكبوت للكاتب” رياض داخل” الانبساطي المحبوب الذي لا يحمل ضغينة. وكما يبدو انه يعيش الحرية الظاهرية المدفوعة الثمن من كيس “غائب”.
إن ابدال حرف من اسم (“غائب” ليصبح “غائب”)، وهو ليس مجرد خطأ مرتكب، بل تشويه متعمد للهوية، لتجنب الرقابة الذاتية، كي لا يُطارد الكاتب في مجتمع لا يتوافق معه. فالنص أشبه بـ”اعترافات بالنيابة”. إذ يتلمس المختص الحصيف أن “الاكتئاب الوجودي” مشترك بينهما حتى لو سلمنا ان “رياض” انبساطياً، مرحاً، فإن سخريته، ومرحه، وخمره، وقراءاته لسبينوزا، تنبئ بذلك، اذ تغطى سحنة الاكتئاب والوجودي على أسئلته التي لا تنتهي عن الموت، الحرية، العزلة، الاغتراب، تلك التي تظهر بجلاء في شخصية غائب. لذلك عمد الكاتب الى اسلوب العقاب بالكتابة، فعاقب “غائب” أي نفسه الاخرى بالاختفاء تحت جلباب القصة، مثلماً تُعاقب الافكار اليسارية في واقع ثيوقراطي متزمت، وسياق عربي معادٍ لليسار.
إذن “غائب” هو الكاتب نفسه، بكل مرحه وانبساطيته، والكاتب هو “غائب” ايضاً، حيث ينقسم الأنا إلى اثنين: واحد يعيش، وآخر يختفي. فالقصة تقدم مثالاً نادراً عن سيرة ذاتية مضمرة، مواربة حتى لو أُضيفت إليها السخرية كغطاء للألم المتخفي، وتأقلم وجودي مع العبث، كليهما يشتركان في: مثقف سبينوزي مضطهد يدفع ثمن صدق افعاله، واختلافه واغتراب ثقافي وسياسي، ونفي داخل ذات الثقافة.
نقاط القوة والضعف في القصة:
نقاط القوة: تتميز القصة بعدة جوانب إيجابية تجعلها عملاً أدبياً متميزاً، أبرزها تقنية سرد مبتكرة، باعتماد الكاتب على ثنائية الأنا/الآخر، من خلال انقسامه إلى شخصيتين (غائب المنبوذ الذي يعاني الاغتراب) و (الكاتب المنبسط المحبوب الذي يتعاطى الخمر دون أن يسكر). هذا الانقسام يخلق توتراً درامياً عالياً ويضفي عمقاً نفسياً على النص، ما يذكرنا بأسلوب دوستويفسكي في “الجريمة والعقاب” حيث يتحدث البطل مع ضميره.
كما ان البعد الفلسفي في القصة، كان عميقاً، يتمثل في استدعاء سبينوزا كـ “صديق مخلّص” للبطل، مما شكّل إضافة نوعية للقصة. كما ان الجرأة في النقد الاجتماعي والسياسي كانت من عناصر القوة المضافة، اذ قدمت القصة سخرية لاذعة للأنظمة التي تطالب بالصدق وهي تفرض النفاق هيكلياً، والاشارة إلى الفساد والبنى التحتية المهترئة في البلد من خلال عبارة “الخط الذهبي للكهرباء الأهلية”. وهو توثيق واقعي لتفاصيل معيشية محددة، هذا الذي منح القصة مصداقية، بارتباطها بتجربة حقيقية، مما يجعلها أقرب إلى التوثيق الأدبي للحياة اليومية، فضلا عن توظيف التورية والتشفير الذي يظهر البراعة في توظيف اللغة للتهرب من الرقابة مع الإبقاء على الدلالة المطلوبة، وهي تقنية أدبية ذكية تتيح للكاتب التعبير بحرية أكبر.
نقاط الضعف: على الرغم من القيمة الأدبية العالية للقصة، إلا أنها تعاني من بعض الإشكاليات التي قد تحد من تأثيرها وانتشارها: يتمثل اولها في الغموض المفرط باعتماد القصة على التورية والإيحاء والتشفير بشكل مكثف قد يجعل النص عصياً على القارئ العادي غير الملم بالسياق السياسي أو الفلسفي للكاتب، كإنها كتبت للنخبة. كما ان هذا الغموض، رغم كونه مقصوداً، قد يحد من جمهور القصة، وفي ذات الوقت لا يحمي الكاتب من الاخطار الامنية او الاجتماعية.
ومن الجوانب التي تكون مثار تساؤلات القراء والنقاد على حد سواء، هو لإسقاط الذاتي المفرط، يجعل القصة أشبه بسيرة ذاتية متخفية، وأقرب إلى الاعتراف الشخصي منها إلى سردية متخيلة. هذا الإسقاط المكثف، رغم أنه يمنح القصة صدقاً عاطفياً، إلا أنه يحد من شموليتها وقدرتها على تمثيل تجارب أوسع. كما أن النهاية المغلقة باختفاء الظل أو غيابه، قد يُقرأ كيأس أو عجز عن تقديم بديل، مما قد يترك الإحباط في نفوس القراء، بدلاً من التحفيز على التفكير أو التغيير. مما يسبغ واقعاً تشاؤمياً قاسياً، قد يُضعف القيمة التنويرية للقصة.
الخاتمة النقدية:
قصة “غائب جداً” هي نص بديع لكاتب مهم وعميق، تتناول المثقف العربي المعاصر الذي يعيش انقساماً حاداً بين داخله الصادق، وخارجه المتواطئ. الكاتب – سواء قصد نفسه أم لا – يقدم تشريحاً نفسياً دقيقاً لشخصية تعاني من اغتراب الطبقة المثقفة في مجتمع يرفضها. وانقسام الذات بسبب الضغوط الاجتماعية والسياسية. ورغبة مُلحة في الاختفاء كحل وحيد للتناقض.
وتمثل النهاية (الاختفاء بعد “التطابق التام”) الانتحار الرمزي للذات المزيفة، وربما فوزاً للذات الحقيقية التي اختارت الغياب بدلاً من النفاق.
ويمكن القول أن أبرز إنجاز أدبي في القصة، هو لغتها السردية الممتعة المكثفة، وتحويلها مفردات في علم النفس السريري إلى مادة سردية دون وعظ أو تنظير، بل عبر صور شعرية ومشاهد عبثية تخدش يقين المتلقي. انها قصة المبدع ” رياض داحل” التي تستحق أن تُقرأ كحالة (Case Study) في الأدب النفسي العربي، وتصلح مادة للتحليل في عتبات النقد الثقافي وعلم النفس الأدبي




