حسين صابر

توطئة: لا بد لأي قراءة للنص الأدبي (نقدية أو تحليلية) من الإسهام بإغنائه والكشف عن جمالياته وثغراته معًا، بما يفتح آفاقًا أوسع للقراءة والتأويل. فالنقد في جوهره ليس محاكمة للنص وكاتبه، بل هو حوار معهما، مبني على الفهم والتذوق، بهدف الارتقاء بالعمل الإبداعي ومساعدة القارئ على اكتشاف خصائصه الفنية والدلالية.
عن دار السرد صدرت منذ أسابيع رواية “مدينة بلا نوافذ” للأديب الباحث علاء الوردي. توزعت الرواية على ثمانية فصول في 155 صفحة من القطع المتوسط.
مقدمة: التاريخ هو أصالة وهوية، ويمثل الذاكرة المتوهجة للأمم والشعوب. وفي العملية الإبداعية، وخاصة في الرواية، نجد أن الإيغال في التاريخ يمثل أحد الاختيارات المعرفية. وبما أنها كذلك فقد صار الاقتراب من الأحداث الماضية ضربًا من التطلع نحو فك رموز التاريخ ومعرفة البُنى التي على الكاتب إظهارها. إن فعل الكتابة عن التاريخ ينصرف إلى اللقاء المباشر باللوحة التي رسمها السلف، وإثارة سؤالاً يتردد في الأذهان وفحواه: ما جدوى سرد التاريخ في الوقت الحاضر؟
تتحدث هذه الرواية عن فترة احتلال تنظيم “داعش” الإرهابي للموصل (2014 – 2017)، وتسرد وقائعًا حقيقية حصلت في المدينة، وأحداثًا دراماتيكية شخصية (متخيلة) عاشها أبطال الرواية، وتضمنت قصة حب بين شاب مسلم وفتاة مسيحية من أهالي المدينة، واجهتهما أهوال كبيرة وفواجع من جراء ذلك الاحتلال. وكحالة سردية قليلة الاستخدام، عكس الراوي من خلال مرآة كبيرة، صورة لحقبة زمنية أخرى، موغلة في التاريخ، تمثلت باسترجاع بعض من شخصيات الرواية لتاريخ جماعة الحشاشين الإسماعيلية النزارية، وقائدهم حسن الصبّاح وقلعتهم الحصينة “آلموت” في بلاد فارس أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، ومقارنتها بالتنظيم الإرهابي وأفعاله الشنيعة في الموصل.
تمكن الوردي من صهر عنصر السرد التاريخي الحقيقي والمتخيل، في بوتقة واحدة مع أحداث وقعت في الزمن الحاضر، وترك للقارئ حرية المقاربة بين الزمنين – أحداثهما وشخصياتهما – دون فرض تقييماته وأراءه عليه.
التحليل:
تُعد الرواية حسب الموضوع والمضمون، رواية تاريخية. أما من ناحية الأسلوب والبنية، فهي تجمع بين رواية السيرة والرواية الحوارية (الديالوجية). وكلمسة فنية استخدم الكاتب تعدد الأصوات في السرد، حيث تناوب على السرد كل من الراوي العليم وعدد من شخصيات الرواية الرئيسة، كلٌ حسب فهمه للأحداث، دون إخلال بالانسيابية المطلوبة.
اشتمل العمل على أهم عناصر الرواية، بما حقق الإيقاع الروائي السليم، فقد جاءت الحبكة محكمة في أحداث الموصل، حيث تم تأسيس بداية الصراع بشكل رصين، وتصاعده مع الزمن، ومن ثم وضع نهاية منطقية له. بينما جاءت بعض الحوارات مطوّلة، وكان بالإمكان إدراج فحواها ضمن السرد نفسه، والإبقاء على الحوارات القصيرة ذات التأثر والتأثير المباشر على الأحداث.
تضمن الوصف الكثير من التحليلات النفسية للشخصيات التاريخية الفاعلة في الرواية، وهذا مرده للخلفية البحثية للمؤلف. ففي صفحة 33 ورد النص الآتي: “لم تكن الحياة في نظر الناس، سوى محاولات متباينة لفهمها، وكلٌ يفسرها كما يشاء، لكنهم – رغم اختلافاتهم – اتفقوا على حقيقة واحدة: إن الإنسان ما هو إلا خلاصة الماضي والحاضر حين يتصادمان داخل ذاكرة لا تعرف الصفح”.
امتازت لغة الرّواية بتنظيم التّوازن بين أحداث الشدة وأحداث الرّخاء، ففي صفحة 95 يعرض المؤلف نص رسالة من البطلة نسرين إلى خطيبها عمر، بعد مغادرتها بيت أبيه في بغداد عائدةً إلى مدينتها الموصل، حيث تلقف عمر الرسالة بيدين مرتجفتين، وضعها على صدره، كأنه يحتضن آخر أثر من حبيبته، ثم شم رائحتها وكأنها عبير الذكرى الأخيرة، عيناه امتلأتا بالدموع، وراح يقرأ بصوت متهدج: “الحياة يا عمر هي بداية الانطلاق نحو أحلامنا، لكنها تصبح بئراً مظلماً حين نفتقد الحب، دقات القلب تصبح عبثاً حين لا تُترجم إلى عشق، والشغف من دون تضحية لا يساوي شيئاً، أتذكر أول لقاء لنا؟ يومها شدني فيك بريقك، وسامتك وطيبتك، فعشقتك بلا قيد، أردتك رفيق دربي، واليوم أريدك أن تفهمني وتعذرني حتى اللقاء القادم.
رواية جديرة بالاهتمام والقراءة، لما فيها من إبداع نادر. تمنياتي بالتوفيق للروائي المبدع والباحث القدير علاء الوردي.




