التراجع الأمريكي… مكسب سياسي لإيران

حسام الشحماني3 أغسطس 2026Last Update :
حسام الشحماني

نبيل محمد سمارة

منذ سنوات اعتاد العالم على سماع التصريحات التي يطلقها ترامب. تصريحات مليئة بالتهديد والوعيد
والتصعيد الاعلامي ثم لا تلبث ان تتغير عندما تصل الامور الى لحظة اتخاذ القرار. ولهذا لم يعد مستغربا ان يخرج بين مدة واخرى بادعاءات يحاول من خلالها صناعة انتصار اعلامي حتى لو كانت الوقائع تسير في اتجاه مختلف تماما.

الحديث عن ان ايران طلبت من ترامب تاجيل الهجوم عليها او انها عرضت ادارة مشتركة لمضيق هرمز هو حديث لا يستند الى اي دليل معلن. هذه روايات يراد منها رسم صورة توحي بان الولايات المتحدة كانت صاحبة اليد العليا وان ايران كانت تبحث عن مخرج او تسوية تحفظ لها ماء الوجه. لكن الوقائع التي تابعها العالم لا تشير الى ذلك. فلم يصدر عن طهران ما يؤكد هذه المزاعم بل بقي الخطاب الايراني يتحدث عن الثبات وعدم الرضوخ للضغوط مهما بلغت.
منذ بداية الازمة كانت الولايات المتحدة هي التي رفعت سقف التهديدات.

المسؤولون الامريكيون تحدثوا عن خيارات مفتوحة وعن هجوم واسع وعن رد قاس وعن استخدام كل وسائل القوة اذا اقتضت الحاجة. وسائل الاعلام الغربية كررت هذه التصريحات بشكل يومي حتى ظن كثيرون ان الحرب اصبحت مسالة وقت لا اكثر. لكن مع مرور الايام تبدلت النبرة واختفى الحديث عن الضربة الشاملة وبدأت لغة مختلفة تظهر في الخطاب السياسي الامريكي.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا تراجعت واشنطن عن كل تلك التهديدات اذا كانت تملك القدرة والرغبة على تنفيذها. هل تغيرت الوقائع على الارض ام ان حسابات المواجهة كانت اكثر تعقيدا مما تصورته الادارة الامريكية. من الطبيعي ان تعيد اي دولة حساباتها عندما تجد ان كلفة المواجهة ستكون اكبر من المكاسب المتوقعة. وهذه ليست علامة قوة بقدر ما هي اعتراف بان الطرف المقابل يملك عناصر ردع لا يمكن تجاهلها.

ايران من جهتها لم تبدل موقفها ولم تعلن انها ستتراجع تحت الضغط ولم تطلب هدنة ولم تطلب تاجيل المواجهة. بل استمرت في خطابها الذي يؤكد ان اي اعتداء سيقابل برد وان سياسة التهديد لن تحقق اهدافها. قد يتفق البعض مع هذا الموقف وقد يختلف معه لكن من الصعب انكار ان الخطاب الايراني بقي ثابتا بينما شهد الخطاب الامريكي تغيرات متكررة.

في السياسة لا يكون الانتصار دائما نتيجة معركة عسكرية. هناك انتصارات تتحقق عندما يفشل الخصم في فرض ارادته او عندما يتراجع عن اهداف كان يعلنها بكل ثقة. ولهذا فان قياس النجاح لا يكون فقط بعدد الصواريخ والطائرات بل ايضا بمدى قدرة كل طرف على فرض معادلته السياسية والنفسية على الطرف الاخر.

عندما تعلن دولة عظمى انها مستعدة لكل الخيارات ثم تتراجع عن الخيار الذي كانت تلوح به باستمرار فان هذا التراجع يترك اثرا كبيرا في صورة تلك الدولة وفي مصداقية تهديداتها المستقبلية. وفي المقابل يمنح الطرف الذي بقي ثابتا شعورا بانه استطاع فرض معادلة ردع جديدة حتى من دون ان يدخل في مواجهة شاملة.

ولهذا اعتقد ان ما جرى لا يمكن وصفه الا بانه مكسب سياسي مهم لايران. فالولايات المتحدة هي التي تحدثت عن الحرب ثم تراجعت عن هذا الخطاب بينما لم يثبت ان ايران طلبت تاجيل الهجوم او قدمت تنازلات او قبلت شروطا فرضت عليها. ومن هنا يرى كثير من المتابعين ان ثبات الموقف الايراني في مقابل تراجع الخطاب الامريكي يمثل نتيجة سياسية تصب في مصلحة طهران.

التاريخ يعلمنا ان الدول لا تقاس فقط بما تملكه من قوة عسكرية بل ايضا بقدرتها على حماية قرارها السياسي وعدم الانصياع للضغوط الخارجية. وعندما يفشل التهديد في تحقيق اهدافه فان الرسالة تكون واضحة للجميع وهي ان سياسة التخويف وحدها لا تكفي لفرض الارادة على الشعوب والدول التي تتمسك بمواقفها وتتحمل تبعاتها.

لهذا فان ما حدث من وجهة نظري ليس مجرد تراجع في الخطاب الامريكي بل تحول سياسي يعكس ان حسابات القوة في المنطقة لم تعد كما كانت في السابق. وكل من يقرأ الاحداث بعيدا عن الضجيج الاعلامي يدرك ان الفرق كبير بين اطلاق التهديدات وبين القدرة على تنفيذها. والنتيجة النهائية هي ان الطرف الذي بقي ثابتا على موقفه خرج بمكسب سياسي واضح بينما وجد الطرف الذي اطلق التهديدات نفسه مضطرا لاعادة حساباته.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة