من جنة الحشاشين الى جحيم داعش :لعبة التاريخ في رواية “مدينة بلا نوافذ” لعلاء الوردي

حسام مناف4 ساعات agoLast Update :
حسام مناف


حمدي العطار
لا تبدو الشخصيات في رواية “مدينة بلا نوافذ” للروائي علاء الوردي أدوات لتحريك الأحداث فحسب، أو أسماء تتحرك داخل فضاء روائي تحكمه الحرب والاحتلال والفوضى وإنما تبدو كائنات مأزومة تبحث عن ذاتها وسط عالم فقد الكثير من يقينه. فالموصل التي احتلها تنظيم داعش لا تتحول في الرواية إلى مكان للأحداث فقط، بل تصبح فضاءً كاشفاً لأزمة الإنسان العراقي، وهو يواجه انهيار المكان والهوية والانتماء، ويجد نفسه مضطراً إلى إعادة طرح أسئلة قديمة عن الدين والتاريخ والطائفة والوطن والحب والموت.
ومن هنا جاءت شخصيات الرواية وفي مقدمتها جلال وسعد وماجد وصادق، فضلاً عن عمر ونسرين وأبي عبيدة وعدي، شخصيات غير مكتملة تحمل داخلها شيئاً من النقص والالتباس، ولا يقدمها السارد للقارئ بصورة نهائية ومغلقة. إنما يترك مساحات بيضاء بين ما يقوله وما يخفيه بحيث يصبح القارئ شريكاً في اكتشاف الشخصية وتأويل سلوكها ومواقفها.
وهذه التقنية تمنح الشخصيات عمقاً يتجاوز الوصف الخارجي ،فالروائي لا يقول لنا كل شيء عن شخصياته، وإنما يترك جزءاً منها في منطقة يمكن أن نسميها “اللاوعي السردي” أو المساحة الخفية التي لا تظهر إلا من خلال الإشارات والحوارات والمواقف. لذلك فإن القارئ لا يتلقى الشخصية جاهزة وإنما يشارك في بنائها.
*الحوار بوصفه كاشفاً للشخصيات
يحتل الحوار مكانة مهمة في بناء الشخصيات، فهو لا يأتي لمجرد تبادل الكلام، وإنما يتحول إلى وسيلة للكشف عن الموقف الفكري والنفسي لكل شخصية. ومن خلال الحوار تتضح الاختلافات بينهم وكأن كل شخصية تحمل رؤيتها الخاصة للعالم والتاريخ والدين والسياسة.
تتجمع الشخصيات الأربع في المكتبة وتصبح جلساتهم أشبه بمسرح مصغر للصراع الفكري الذي تعيشه الرواية. يقول السارد:
“قلوب أربعة رجال اعتادوا أن يحجوا إلى هذا المكان كأنما إلى مزار روحي يعقدون فيه صلحاً مؤقتاً مع خيباتهم المتراكمة”.
إن هذا الوصف لا يرسم المكان فقط، بل يرسم الشخصيات أيضاً. فالمكتبة تتحول إلى ملاذ من الواقع والجلسة إلى محاولة مؤقتة لاستعادة التوازن في عالم مضطرب. وحتى الصمت هنا ليس فراغاً وإنما يحمل أسئلة الشخصيات وخيباتها.
وعندما يقول جلال:
“لما نصر على العودة إلى الماضي؟ لماذا نظل نقلب الرماد بحثاً عن جذوة لم تعد تحترق؟”
يجيبه سعد:
“لأن الماضي وحده يحنو علينا، يمنحنا ظلاً في زمن جفت فيه ظلال البشر”.
يكشف الحوار عن اختلاف عميق بين الرجلين. فجلال ينظر إلى التاريخ بوصفه سؤالاً معرفياً ينبغي مساءلته بينما يرى سعد فيه ملاذاً نفسياً أمام حاضر قاس. ثم يأتي جلال مرة أخرى ليقول:
“التاريخ ليس ميتاً، بل يسكننا كما تسكن الندبة جسد الناجي. من يفرط بماضيه، يوقع شهادة موته المعنوي”.
وهنا يتحول الحوار إلى مفتاح لفهم شخصية جلال فهو ليس مجرد متخصص في التاريخ بل شخصية ترى في الماضي جزءاً من تكوين الحاضر، ولذلك كان من الطبيعي أن يتولى السرد في المقاطع التاريخية ولا سيما تلك المتعلقة بالحشاشين وحسن الصباح.
أما ماجد فيبدو أكثر تحفظاً وصمتاً وتنعكس مهنته وعقليته الهندسية على طريقة تفكيره فهو يميل إلى الدقة والتحليل ويرفض التسليم بالروايات الطائفية الجاهزة. بينما يأتي صادق على النقيض منه تقريباً إذ يتحدث من موقع المتدين الذي يرى في التشكيك بالعقيدة مساساً بالمقدس. وهكذا يصبح الحوار بينهما مواجهة غير مباشرة بين العقل التحليلي والإيمان الذي يرى في بعض الأسئلة تهديداً لليقين.
أما سعد فيبدو أكثر ارتباطاً بالبعد السياسي والاجتماعي، فهو يفسر كثيراً من المآسي من خلال ظاهرة تأليه الزعيم، ويقول:
“نحن لا نحاسب الحاكم، بل نقدسه، نمنحه لقباً لا ينتمي للبشر، ثم نلعنه بعد وفاته، وكأننا لسنا من صنع مجده!”
إن هذه العبارة تكشف عن شخصية لا ترى الاستبداد مسؤولية الحاكم وحده، وإنما ترى المجتمع شريكاً في صناعة الطاغية عندما يمنحه القداسة ويصنع حوله هالة لا يستحقها.
وبذلك تصبح الحوارات في الرواية أشبه بمرايا متعددة: كل شخصية ترى العالم من زاوية مختلفة ومن خلال اختلاف الرؤى تتشكل ملامحها.
*عمر… الشخصية التي تدخل من الحاضر إلى الماضي
حين يدخل عمر إلى جلسة الرجال الأربعة، يتأمله جلال “وكأنه يتفحص بقايا وطن على هيئة وجوه”. وهذه العبارة تختصر وظيفة الشخصية في الرواية، فعمر لا يدخل إلى عالمهم بوصفه طالب طب فحسب، وإنما يدخل حاملاً أزمة جيله.
ويقدمه جلال إلى أصدقائه من خلال قلبه وحبه المتشابك مع العقيدة وزواجه المرتقب من نسرين الطبيبة المسيحية، وهو زواج يرفضه الأب لأنه يراه انكساراً للعرف وليس للشرع وحده.
وهنا ينجح الروائي في نقل الصراع من المجال الفكري إلى المجال الشخصي : فالصراع حول الهوية والدين والانتماء لا يبقى فكرة مجردة في الجلسات وإنما يتحول إلى علاقة حب تواجه العائلة والمجتمع والتطرف.
ولذلك يصبح عمر ونسرين امتداداً معاصراً للسؤال الذي تطرحه الرواية حول إمكانية الحب في زمن الكراهية.
*التاريخ ليس خلفية… بل شخصية أخرى
من أبرز التقنيات التي اعتمدها علاء الوردي في الرواية انتقال السرد بين الحاضر والماضي. فالتاريخ وخصوصاً تاريخ الحشاشين وحسن الصباح لا يظهر بوصفه استطراداً تاريخياً منفصلاً عن الحكاية وإنما يدخل في نسيجها ليصبح مرآة للحاضر.
وتتكرر النقاشات حول أحداث تاريخية مختلفة، من “الطفوف”إلى قلعة آلموت، ومن الفتنة الكبرى إلى ابن سبأ، ومن الحجاج إلى أبي مسلم الخراساني. وهذا التعدد التاريخي يكشف أن الشخصيات لا تعيش حاضرها منفصلاً عن ذاكرتها وإنما تستدعي الماضي كلما عجزت عن فهم الحاضر.
وتتجسد هذه التقنية بوضوح في شخصية حسن الصباح الذي يحتل حضوراً مهماً في النصف التاريخي من الرواية. فهو يظهر بوصفه شخصية تجمع بين الدين والسياسة والفكر والطموح ويصبح مشروعه في قلعة آلموت مدخلاً لمقارنة الماضي بالحاضر.
ويشرح جلال لأصدقائه كيف استطاع حسن الصباح أن يصنع من أتباعه فدائيين مستعدين للموت من خلال صناعة الوهم بالجنة وإخضاع الفرد للطاعة المطلقة. ويعلق أحد الحاضرين ساخراً:
“أهذا ما تسمونه جهاداً؟ إنه غسل دماغ لا أكثر”.
لكن جلال يذهب بالحوار إلى مستوى أعمق حين يقول:
“إنها حكاية الإنسان عندما يستخدم الدين ليقتل أخاه الإنسان، حكاية الطموح حين يصير دموياً!”
وهنا تتجاوز الرواية الحكاية التاريخية إلى دلالتها المعاصرة ،فالحشاشون لا يستدعون لأنهم جزء من الماضي فقط، وإنما لأن تجربتهم تتيح للروائي أن يقيم مقارنة مع الجماعات المتطرفة الحديثة وفي مقدمتها داعش.
إن التشابه الذي تقيمه الرواية بين جماعة الحشاشين والتنظيمات الإرهابية المعاصرة لا يقوم فقط على استخدام الدين، وإنما على تحويل العقيدة إلى وسيلة للسيطرة على الإنسان وإلغاء إرادته، ودفعه إلى الموت باسم وعد غيبي.
*أبو عبيدة ونسرين… المواجهة بين العنف والذكاء
لا تقتصر الشخصيات على الأصدقاء الأربعة وعمر ونسرين، بل تبرز الشخصيات الثانوية لتؤدي أدواراً مؤثرة في كشف العالم الروائي.
فأبو عبيدة، بوصفه شخصية داعشية، يمثل الوجه الأكثر قسوة للتطرف لكنه في الوقت نفسه يدخل في صراع مع نسرين التي لا تواجهه بالقوة المسلحة وإنما بالذكاء والمكر والقدرة على استثمار نقاط ضعفه. ومن هنا لا تصبح نسرين شخصية عاطفية مرتبطة بعمر فحسب، بل تتحول إلى شخصية فاعلة في مقاومة الواقع الذي فرضه داعش.
كما يحضر أبو جلال بوصفه تاجراً عتيقاً مؤمناً بالقومية ومدافعاً عن بعض الشخصيات الأموية، لكنه ساخط على يزيد. والتاريخ عنده يشبه السوق، فيه البائع والمشتري والرابح والخاسر. ومن خلاله تتسع مائدة الحوار لتشمل أسئلة التاريخ والسياسة والطائفة وتكشف عن الطريقة التي تتحول بها الذاكرة التاريخية إلى مادة للصراع بين الشخصيات.
*الحب بوصفه اختباراً للإنسان
إلى جانب التاريخ والسياسة والتطرف تقوم الرواية على ثيمة الحب من خلال قصة عمر ونسرين، التي تجد صداها في قصة حسن الصباح وصابرين.
لكن المفارقة أن مساري الحب لا ينتهيان بالطريقة نفسها. فحب حسن الصباح وصابرين يتحول إلى مأساة تنتهي بالقتل وفقدان الأبناء والحبيبة، بينما ينجو حب عمر ونسرين من المصير ذاته، بعد أن تتخلص نسرين من أبي عبيدة، ثم تنتهي مرحلة احتلال داعش للموصل.
وهنا يصبح الحب أكثر من قصة عاطفية، إنه اختبار لقدرة الإنسان على مقاومة الكراهية. فحين يتحول الدين إلى أداة للقتل ويصبح التاريخ وقوداً للصراع يبقى الحب أحد الأشكال القليلة التي يمكن أن تعيد الإنسان إلى إنسانيته.
*”مدينة بلا نوافذ”.. حين يصبح المكان صورة للإنسان
العنوان نفسه يحمل دلالة رمزية لافتة. فالبيت عادة مكان للحماية والانفتاح على العالم من خلال النوافذ لكن البيوت بلا نوافذ توحي بالعزلة والاختناق والانغلاق. وهذا ما تعيشه الشخصيات في الرواية، فهي محاصرة ليس بالجدران وحدها، وإنما بالأفكار والمخاوف والذاكرة والتطرف.
ولذلك تبدو الشخصيات كلها بدرجات مختلفة وكأنها تبحث عن نافذة: جلال يبحث عنها في التاريخ، وسعد في تفسير الواقع السياسي، وماجد في العقل، وصادق في العقيدة، وعمر في الحب، ونسرين في النجاة، بينما يبحث الآخرون عن الخلاص داخل عالم يمتلئ بالخراب.
وهنا تكمن قوة الرواية في أنها لا تقدم شخصيات مكتملة ونهائية وإنما تضعها أمام أسئلة وجودية وسياسية وتاريخية وتترك للقارئ مهمة اكتشاف ما تخفيه هذه الشخصيات خلف أقوالها ومواقفها.
*خاتمة
نجح علاء الوردي في “مدينة بلا نوافذ” في بناء شخصيات لا تعيش خارج أزمتها، بل تتشكل منها. فالحرب واحتلال داعش للموصل ليسا مجرد خلفية زمنية للأحداث، وإنما قوة ضاغطة تكشف ما في الشخصيات من تناقضات وخوف ورغبة في الانتماء والبحث عن معنى.
كما استطاع الروائي أن يجعل الحوار أداة أساسية في بناء الشخصية، لا وسيلة لنقل المعلومات فقط، فكل شخصية تتحدث بلغتها ورؤيتها، ومن خلال اختلاف الأصوات تتشكل الخريطة الفكرية للرواية. أما استدعاء التاريخ، وخصوصاً تجربة حسن الصباح والحشاشين، فقد منح الرواية بعداً مقارناً يجعل الماضي مرآة للحاضر ويضع القارئ أمام السؤال الأخطر: كيف يمكن لفكرة دينية أو سياسية أن تتحول من وسيلة للبحث عن الخلاص إلى أداة لصناعة الموت؟
ولعل أهم ما تقوله الرواية في النهاية أن الإنسان حين يفقد نافذته على الآخر يتحول بيته إلى سجن، وحين تغلق النوافذ بين البشر تتسع مساحة الكراهية. لذلك فإن شخصيات “مدينة بلا نوافذ” لا تبحث عن نفسها فقط بل تبحث أيضاً عن نافذة تعيد إليها علاقتها بالآخر، وبالحب وبالانسان ، وبالوطن.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة