من المجموعة القصصية خلف جدران المدينة

حسام مناف29 سبتمبر 2026Last Update :
حسام مناف

اغنية من ذاكرة الحرب

للقاص صلاح مهدي فرج

ظلت حادثة تعليق أحد الشهداء في ساحة 55 في مدينة الثورة أواخر عام 1987 لغزاً لم يحل طلاسمه الا القليل .فالبرغم من إن سلطة البعث حاولت أن تشيع بين الناس إن ” القتيل” المغدور والمعلقة جثته على ارصفة ساحة 55 وسط المدينة المنكوبة هو أحد أصحاب الالقاب ” الخوشية” وإن صل به لثلاثة أيام كونه “خائناً وجباناً “.الا إن هذه الاوصاف يعرفها أهل المدينة جيداً فما إن تطلق هذه الالفاظ على شخص ما الا وقد عرف الجميع إنه بطل من الابطال جابه السلطة الغاشمة وهذا هو حال كل شهيد.أحد أشقائه كان منتمياً لاحدى المعارضة حينها وكان غائباً عن الانظار والعائلة متحفظة حتى طرقت جلاوزة أمن الثورة يوما باب العائلة الرسيتماوية أحدى عشائر السراي وما إن خرج اليهم” حسين ” الشاب فاعتقلوه مشتبهين به انه هو المطلوب . إختفى حسين بحدود الاربعة أشهر حيث إطلق سراحه , الا ان الغريب إنه كان غير طبيعي في تصرفاته وصحته فيها وهن وعليه أثار التعذيب وقيل في وقتها انها أثار صدمات كهربائية ومباشرة دعي للخدمة العسكرية فذهب وبقي أشهر الا إن ما لبث أن رفض الاستمرار في هذه الخدمة المذلة.وكانت عائلة الشهيد حسين جاسم حسون داغر إحدى عوائل المدينة التي أصابها الظيم والقهر والظلم فها هي الحرب تحصد أبناء المدينة في الفاو ونهر جاسم وجزيرة أم الرصاص وعربد وشرق دجلة وتلول الله اكبر والخفاجية ومنهم شقيقه الاكبر الذي وصل في 2/2/1987 ملفوفاً بالعلم العراقي نتيجة معارك الفاو في جنوب البصرة.حسين رفض الذل وبقي يحمل مسدساً معه بشكل دائم خوفاً من اعتقاله او الاعتداء عليه من ازلام النظام وجلاوزته.حسين من مواليد 1964 وكان يسكن في قطاع 5 ثم انتقل الى قطاع 4 دور الموظفين.ولم يكن ” أبو علي (خوشياً) ابدا” بل هو ممتعض جدا” من الحزب وازلامه بعد تأثره الشديد من الاعتقال والتعذيب ثم “إستشهاد” شقيقه في معركة الفاو.خرج حسين يوما” باتجاه المنطقة المحصورة بين سينما علاء الدين ومتوسطة الرياض وما أن حوصر في هذه المنطقة حتى تمكن من الهروب من المفرزة وقفزعلى متوسطة الرياض تحديدا” من شباك أحدى الصفوف.ودخل في بيتهم القديم وكانوا فيه رجل وأمرة كبيران فاخرجهما واشتبك مع الضباط والجلاوزة وتم تبادل اطلاق نار بينهما قتل على أثرها ضابط المفرزة وجرح اخر.قاوم الشهيد لمدة ساعتين كاملتين في هذا البيت الفارغ الذي يقع في ركن قطاع 5 من جهة دار التمريض على شارع الفلاح بالرغم من اصابته باطلاقات في جسمه . ويروي البعض إن الشهيد لديه مسدس فقط ولايمكن ان يبقى لساعتين يرمي فيه لذا فإنهم يقولون انه استولى على رشاشة من أحدهم ,وبعد ان نفذ عتاده دخلوا عليه وافرغوا الرصاص في جسده ثم اتجهوا به الى مركز شرطة النصر في شارع الداخل قطاع 3 ومن ثم سلحوه ” غلت أياديهم القذرة ” لساحة 55 وذلك في شهر تشرين الثاني عام 1987.وبعد إنقضاء الايام الثلاثة إخليت جثة الشهيد من قبل الامن والحزب ودفن في جهة مجهولة لا تعرف لحد الان. والكل يمر عليه في طريق مرور بالفلكة وتشيح بابصارها للجهة الاخرى تغالب دموعها , وقد بقت جثته 3 ايام في منتصف الجزره الوسطيه اي بين الشارعين من جهة جميله مقابل مديرية النجده . مرمي على الارض وليس معلق .وعلى الفور تم حجز والد الشهيد البزاز في سوق الاولى واخوانه واخواته عدد من العائلة من ضمنهم والده وبعض اخوانه واخواته في المعتقل وظل الوالد بحدود شهرين في التسفيرات التابعة للداخلية بأمر المجرم سمير الشيخلي .لم يقم اهل الشهيد بعمل مجلس عزاء بسبب ضغط الجهات الامنية فيما ان محل والده في سوق الاولى اصبح مراقباً مع محاسبة الناس التي تشتري منه ومن ثم تم غلقه,تم ارسال شفلات لتهديم البيت في اليوم الثاني لاستشهاده الا انهم وجدوا قطعة سوداء معلقة تشير الى شهادة اخيه الاكبر في الحرب فاتصلوا ثم انسحبوا,في حينها المطرب حسين البصري غنى لأجله أغنية اشتهرت كثيراً وهي (نايم المدلول حلوة نومته).. ومن كلماتها التى بقت عالقة الى الان في اذهان جيل الحرب والدمار.

نايم المدلول حلوة نومتة
نايم المدلول حلوة نومتة
مسلهم عيونة وناسل كذلته
نايم المدلول بس يئمر امر
نايم المدلول بس يئمر امر
خيعون وياك يمن كضه العمر

عندما كانت الحرب في اسوء مراحلها حيث قوافل الشهداء تتواكب دون توقف و الجوامع و الحسينيات تقيم الفواتح اكثر من الصلوات و المجاميع الموسيقية الشعبية تعزف لتزف الشهداء الشباب اكثر من عزفها في زفات العرس .. كان المشهد يسوده الشوؤم و الترقب فاطلق الفنان حسين البصري اغنية نايم المدلول القديمة واعاد احيائها فاشعل جذوتها في صدر الشارع العراقي وانتشرت مثل النار في الهشيم لانها كانت تحاكي ماسات شباب بعمر الورد كان الموت يخطفهم دون رحمة من احضان اعزائهم فلا يرحم صرخات الام و قلبها المشتعل و لا اب كسرة ظهره السنين ولا صديق طفولة.فكانت أغنية “ نايم المدلول “ التي تركت اثراً عميقاً بذاكرت العراقيين و سبب اعادة تلحينها ان المطرب حسين البصري و عشقها الشباب العراقي حيث وصل الامر كما اتذكر مرة ان احد الاشخاص قام بطلبها في حفلة عرس في محلتنا لكن الاخرين رفضوا و احتجوا بان الاغنية لا يجوز ان تغنى بالاعراس

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة