حسين الذكر

منذ الطفولة نستمع لخطب ومواعظ تاريخية – تعد من المسلمات – سيما المرتبطة بالوجدان منها واغلبها متكرر نصا مختلف بالطرح وفقا لاسلوب المتحدث .. هكذا عشنا الخطاب الديني كرأي عام – الشعبي – ان جازت التسمية مع انها لا تقتصر على هذا الحيز المتلقي اذ تبتعد رويدا رويدا حتى تطال النخب بل وحتى السياسيين منهم وقطعا يسمعها الكبار والصغار البنات والبنين بتكرار يرافقه انبعاثات نفسية ودفقات مشاعر تجعل من المورث يتجسد حد الترسخ ليس بالفكر بل تظهر انعكاساته على الواقع المعاش والحال النفسي سيما في الحزن العام والتحمل وبأحيان يسهم بصناعة الالم حد اليأس من الواقع مع ما يحمل بعضه من فكرة الانتظار الامل والصبر الاشراق المستقبلي .
منذ سنوات ظهر صوت المرجع – كما يطلق عليه البعض – آية الله السيد كمال الحيدري بشكله الحوزي التقليدي الذي ينقل لنا صورة نمطية من اعماق الحوزة الدينية مع ان خطابه سيما الاعلامي منه غطى مساحة لم تكن متاحة لغيره وتناول ملفات غير مسبوقة وركز على التحليل ومنح المتلقي قدرة تفكيك ما يسمع وعدم القبول بالنص التراثي الا عبر ادوات ما يسميه منظومة عقلية ينبغي ان تكون قادرة على التعاطي بما يتناسب مع الواقع والفكرة الخلاقة لجوهر التدين القائم بابهى صوره على عدم التسليم للموروث بجانبه السلبي بل الخوض بما يصدق كلام الله في جانبه الفكري والحركي : ( وتفكروا في خلق السماوات والارض ) . هذه الدعوة الجبارة والارجوزة السماوية الصانعة للاعجاز غير القابلة للتحجر والرضوخ بمختلف عناوينه .
السيد الحيدري برغم عمره الطويل في الحوزات ودراساته على يد كبار المراجع كما تذكر سيرته وتؤكد ذلك امكانياته العلمية والفلسفية والبلاغية والفكرية والالقائية الدالة على وجه حوزي مشرق متعسر الظهور كل حين . وهذا ما جعل المؤسسة الاعلامية الاسلامية – البحتة – تهيء له مساحة اعلامية عالمية عبر قناة الكوثر التي ظهر في بداياتها مدافعا عن التشيع بطرح مقبول ولم يشكل اعتراض كبير عليه الا من البعض . ثم عزز ذلك بحلقات في قناة العراقية وغيرها من قنوات شكلت حضوره الاعلامي بطابع رسمي ثم اكتملها بعد تحقق الشرط الاول واستثماره عبر برامج التواصل .
في التواصل بدات المشكلة التي لم تكن تلقائية او اعتباطية او مصادفاتية … وانما اعتقدها مكملة لبعضها وتسير وفقا لمنهجية معدة مسبقا .. بعد ان اكتمل طوق الشهرة والمقبولية والشرعية والرسمية وصناعة قاعدة جماهيرية واسعة من متابعي السيد .. بدأت مشكلة كبرى تتمظهر حول المواضيع المطروحة التي تحولت اغلبها من قضية طهارة ونجاسة ووضوء وصلاة وحلال وحرام …. الى ما هو اخطر واهم في ما يتعلق بالعقائد والمورث الاسلامي عامة والشيعي منه على وجه الخصوص .
النتيجة : يقال ان الرجل صاحب الفكر النير والاسلوب المتفرد والخطاب العصري بدا يضيق عليه – كما يشاع – حتى سمعنا باشاعات اخرى ربما لاتقف عند حدود منع الظهور ..
هنا كمتلقي مثقف – ان جاز لي اطلاق الصفة عن نفسي – استسغت الخطاب تماما بل وجدت فيه لذة غير مسبوقة بل ان المادة المتناولة وطريقة التعاطي حداثوية مشرفة تحمل الصفة العصرية تدل على طريق الاتقاد بل تسهم بصناعة جيل ليس شكاك فحسب … بل قادر على التحاور – قطعا ليس على النمط السفسطائي – كما كان يحدث عند الاغريق ..
هنا لست بصدد ان اكون مع او بالضد ولا املك ما يؤهلني للحكم على ما جرى ويجري مؤسساتيا بخصوص ملف السيد الحيدري حفظه الله .. سيما في ظل الغيوم السياسية المتلبدة بظروف المنطقة وسهام الحروب الناعمة المنطلقة بمختلف الاتجاهات العابثة في الامن الخاص والعام .
لكني اعتقد راسخا ان منبر السيد كمال الحيدري صوتا فكريا مشرقا مدويا ينبغي ان تهيء له السبل للوصول لمريديه ومن يحب الاستنارة مع ضرورة التحفظ على ما يطرح ببعده السياسي وتداعياته وآثاره الناعمة فان للضرورة احكام مع ضرورة الاحتكام لمقولة ( ما لا يدرك كله لا يترك جله ) .. ولله الامر وعنده الخبر اليقين !




