ميثم السيلاوي

ليست الصحافة مهنةً لمن امتلك قلمًا أو هاتفًا ذكيًا وليست لقبًا يُعلّق على الأكتاف أو بطاقةً تُحمل في الجيب.
إنها رسالة .. والكلمة فيها أمانة .. والحرف مسؤولية .. والضمير هو المحرر الأول قبل أن يكون هناك رئيس تحرير.
لقد كانت الصحافة على مر العصور منبرًا للوعي وجسرًا بين الحقيقة والمجتمع وصوتًا لمن لا صوت له.
وكانت الكلمة فيها تُكتب بعد بحث وتمحيص وتُنشر بعد مراجعة وتدقيق لأن خطأً واحدًا قد يهدم ثقةً بُنيت عبر سنوات طويلة.
غير أن هذه المهنة النبيلة أصبحت اليوم تواجه خطرًا لا يقل شأنًا عن الرقابة أو التضييق بل ربما يفوقهما أثرًا وهو خطر المتطفلين على الصحافة.
أولئك الذين اقتحموا عالم الإعلام من دون معرفة بأصوله ولا إلمام بلغته ولا احترام لقواعده فظنوا أن امتلاك منصة للنشر يكفي ليصبح الإنسان صحفيًا.
إن الجهل بأسلوب التعبير ليس مجرد ضعف في اللغة بل هو عجز عن إيصال الحقيقة كما هي. فالصحفي الذي لا يُحسن اختيار مفرداته ولا يعرف كيف يبني جملة متماسكة ولا يفرق بين الخبر والرأي يكتب نصوصًا مرتبكة ويزرع في أذهان القراء الالتباس بدل الوضوح والضجيج بدل المعرفة.
والمؤلم أن بعض المتطفلين لا يكتفون بضعفهم بل يحاولون تسويق هذا الضعف على أنه جرأة ويستبدلون جمال اللغة بخشونة العبارة ودقة المعلومة بالمبالغة والمهنية بالإثارة.
فيتحول الخبر إلى وسيلة لجذب الانتباه لا إلى رسالة تنير العقول وتصبح الشهرة هدفًا بينما تضيع الحقيقة بين العناوين الصاخبة.
إن الصحافة لا تُقاس بعدد المنشورات ولا بعدد المتابعين بل بقدرتها على صناعة الوعي.
فالصحفي الحقيقي يقرأ أكثر مما يكتب ويتعلم أكثر مما يتحدث ويؤمن بأن الكلمة قد تبني وطنًا كما قد تهدم إنسانًا.
أما المتطفل فإنه يستهين بقيمة الكلمة لأنها لم تتشكل في وجدانه بوصفها مسؤولية بل وسيلة للظهور.
إن أخطر ما يفعله المتطفلون ليس أنهم يكتبون بلغة ركيكة وإنما أنهم يشوهون صورة الصحافة في أعين الناس حتى يختلط الصحفي المهني بمن لا يمت إلى المهنة بصلة.
وعندما تهتز ثقة الجمهور بالإعلام فإن المجتمع كله يدفع الثمن لأن الحقيقة تصبح أسيرة الفوضى ويعلو صوت الضجيج على صوت العقل.
إن الدفاع عن الصحافة لا يكون بالشعارات بل بحماية معاييرها والتمسك بأخلاقياتها واحترام لغتها وإفساح المجال لأصحاب الكفاءة والعلم.
فالمهنة التي صانت ذاكرة الشعوب ووثقت تاريخ الأمم لا يليق بها أن تصبح ساحةً لكل من ظن أن الكتابة كلمات تُصف على الورق بينما هي في حقيقتها فكر وثقافة ومسؤولية.
ستبقى الصحافة منارةً للحقيقة ما دام فيها من يؤمن بأن الكلمة ليست حروفًا تُكتب بل عهدًا يُؤدى وأن القلم لا تليق به إلا يدٌ تعرف قيمة ما تكتب وتحترم عقل من يقرأ.




