تخطي إلى المحتوى
الأحد 8 نوفمبر 2026
مقالات

معسكر الرشيد دولة غائبة وفوضى حاضرة


د. جواد التونسي
لم يعد معسكر الرشيد في بغداد مجرد مساحة عسكرية مهجورة أو أرض تنتظر مشروعاً استثمارياً، بل أصبح ملفاً أمنياً وبيئياً وخدمياً معقداً، يحتاج إلى قرار حكومي حاسم ينهي سنوات من الإهمال والفوضى والتجاوزات التي حولت أجزاء واسعة منه إلى بؤر للمشكلات التي تهدد أمن المواطنين وسلامة المناطق السكنية المجاورة، إن ما يشهده المعسكر من انتشار الذبح العشوائي والمجازر غير المرخصة، وتراكم النفايات والمخلفات، والروائح الكريهة، فضلاً عن وجود مساحات مهجورة يمكن أن تستغلها الجماعات الخارجة عن القانون ومروجو المخدرات، يمثل إنذاراً واضحاً بضرورة التحرك الجاد وعدم ترك هذا الملف رهينة التسويف والمماطلة، وان ترحيل المتجاوزين خطوة لاستعادة المعسكر، إن ترحيل الساكنين والمتجاوزين على أراضي معسكر الرشيد أصبح ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن والنظام العام وحماية الممتلكات الحكومية، لكن هذه العملية يجب أن تتم وفق القانون، مع التمييز بين المتجاوزين وأصحاب الحقوق أو العوائل التي استقرت في المكان منذ سنوات، ومراعاة الحالات الإنسانية وتوفير المعالجات السكنية المناسبة للفئات المستحقة، فليس من المقبول أن تتحول الأراضي الحكومية إلى مناطق نفوذ عشائري أو ملكيات غير قانونية، كما ليس من العدل أن تُعالج المشكلة بقرارات إدارية مفاجئة من دون دراسة أو بدائل إنسانية للعوائل المتضرر، إن مسؤولية إعادة فرض القانون تقع على عاتق الحكومة وأمانة بغداد والجهات الأمنية والبلدية والبيئية، من خلال وضع خطة متكاملة تتضمن إزالة التجاوزات، وإغلاق المجازر غير المرخصة، ومحاسبة المتورطين في الأنشطة غير القانونية، ومنع عودة الفوضى بعد انتهاء الحملات الأمنية، كما ينبغي وضع سياج أمني وإداري للموقع، وتحديد الجهات المسؤولة عن حمايته ومراقبته، وعدم السماح لأي جهة باستغلال الفراغ الإداري لتحقيق مصالح خاصة، إن المساحات الواسعة التي يمتلكها معسكر الرشيد تمثل فرصة استثمارية وحضارية مهمة لبغداد، ويمكن تحويلها إلى متنفس أخضر ومناطق ترفيهية ومشاريع خدمية وسكنية منظمة، بما ينسجم مع الخطط المطروحة لتطوير العاصمة، ومنها مشروع غابات بغداد المستدامة، إن بغداد التي عانت طويلاً من التجاوزات والتلوث والاختناقات لا تحتاج إلى المزيد من البؤر العشوائية، بل إلى مشاريع تعيد إليها جمالها ومكانتها، وأخيراً، فإن معسكر الرشيد ليس ملكاً لأحد حتى يُستباح أو يُستثمر خارج القانون، إنه جزء من أملاك الدولة وحق للأجيال القادمة، وعلى الحكومة أن تحسم هذا الملف، فالدولة التي تعجز عن حماية أراضيها من التجاوزات ستظل تدفع ثمن الفوضى ، المطلوب ترحيل التجاوزات، وإنصاف العوائل، ومحاسبة المخالفين، وتحويل المعسكر من بؤرة للمشكلات إلى مشروع يليق ببغداد وأهلها، معسكر الرشيد ليس قطعة أرض سائبة لمن يضع يده عليها، ولا مجزرة مفتوحة لمن يعبث بصحة الناس، كفى فوضى وتجاوزات، فالدولة ليست غائبة إلى الأبد، وأراضي بغداد ليست غنيمة لمن يسبق إلى احتلالها، آن الأوان أن يعود المعسكر للدولة، لا أن تبقى الدولة غائبة عن المعسكر.

شارك الخبر

أضف تعليقك

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *