د.جواد التونسي

يثير مشروع قانون الجرائم المعلوماتية في العراق مخاوف من ملاحقة الصحافيين والناشطين بسبب آرائهم وانتقاداتهم للسلطات، وبين مكافحة الابتزاز والتهديد الإلكتروني وضمان حرية التعبير، يبقى التحدي في صياغة قانون يمنع التجاوزات من دون أن يتحول إلى أداة لتقييد الحريات، يخيف التوجه في العراق نحو تشريع قانون مكافحة جرائم المعلومات صحافيين ومدونين وناشطين من إمكانية استخدام بعض مواده لملاحقة المنتقدين للسلطات، أو المتابعين لملفات الفساد والجريمة، خصوصاً مع استمرار الخلاف بشأن تعريف الجرائم الإلكترونية وحدود حرية التعبير، في مقابل مساعٍ رسمية لإقرار تشريع ينظم مكافحة الابتزاز والاختراق والتهديدات الرقمية، في هذا السياق، أعلن رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي التوصل إلى اتفاق بشأن المضي في تشريع القانون بعد التشاور مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى، مؤكداً ضرورة حماية حرية الرأي والتعبير تزامناً مع مواجهة الجرائم الإلكترونية، وسبق للبرلمان أن أنهى القراءة الأولى للمقترح في يوليو/تموز الماضي، قبل أن تتواصل مناقشاته داخل اللجان النيابية بمشاركة جهات قضائية وأمنية وقانونية، وسط مطالبات بتعديل الصياغات التي قد تسمح بتفسيرات واسعة للنصوص العقابية، إن المشكلة الأساسية لا تكمن في تجريم الأفعال المرتكبة باستخدام التقنيات الحديثة، وإنما في مدى دقة النصوص التي تحدد الأفعال المستوجبة للعقاب، ويجب التمييز بين جرائم إلكترونية واضحة، مثل الابتزاز والاختراق وسرقة البيانات والتهديد، وبين منشورات تتضمن نقداً سياسياً أو آراء مخالفة لتوجهات جهات معينة، ونحذر من أن استخدام مصطلحات فضفاضة في تعريف الجرائم والعقوبات يمنح الجهات المعنية بتطبيق القانون مجالاً واسعاً للاجتهاد، وقد يؤدي إلى اعتبار ممارسات مشروعة أفعالاً جرمية، ونشدد على ضرورة الفصل بين النقد السياسي، حتى لو كان حاداً، وبين التهديد والتشهير المتعمد والابتزاز، إذ يتطلب تجريم هذه الأفعال توافر الأركان القانونية المحددة لكل جريمة، ونرى أن سلامة التشريع تتطلب إجراءات أساسية، تبدأ بتحديد الأفعال المحظورة بدقة، وتجنب العبارات العامة مثل الإضرار بالمصلحة العامة أو المساس بالقيم أو الإخلال بالأمن العام، أما المتطلبات الأخرى، فتشمل حماية الرأي السياسي، ولا سيما الأصوات المنتقدة للسياسات الحكومية والكاشفة للفساد، وتعزيز الضمانات القضائية، وإشراك الصحافيين والمنظمات المختصة في مراجعة المشروع ، ويعتبر أن المعيار الحقيقي لسلامة القانون يتمثل في احترام مبدأ الشرعية الجنائية ووضوح الأفعال المجرمة وتناسب العقوبات معها، بما يمنع التوسع في تفسير النصوص على حساب الحقوق والحريات، لكن المخاوف من القانون لا تقتصر على صياغاته القانونية، إذ يثير صحفيون تساؤلات بشأن إمكانية تطبيقه تطبيقاً متساوياً على المواطنين والجهات السياسية التي تقف وراء حملات التحريض والتهديد الإلكتروني، وتكررت محاولات تشريع القانون خلال دورات نيابية متعاقبة، وسط اعتراضات على تداعياته المحتملة على حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني، ومخاوف من توظيفه لتقييد الانتقادات الموجهة إلى القوى السياسية، ولا يقتصر التأثير المحتمل للقانون على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يمتد إلى المؤسسات الصحافية الإلكترونية والمنصات الإعلامية التي تنشر الأخبار والآراء والتحقيقات، بما يثير تساؤلات بشأن حدود العمل الصحافي وحرية النشر، وتكمن إحدى المشكلات في استخدام تعبيرات عامة، مثل المساس بالأمن العام وأمن المجتمع والمعتقدات الدينية والأمن القومي، وهي مفاهيم تتيح مساحة واسعة للاجتهاد في تحديد الأفعال التي تستوجب العقاب، الأمر الذي يثير مخاوف من تفاوت تطبيق النصوص القانونية، ويبرز أيضاً تساؤل بشأن الجيوش الإلكترونية المرتبطة بأحزاب وجهات سياسية، ومدى قدرة التشريع على ملاحقة الأطراف التي تمول شبكات التحريض والتهديد، ومحاسبة الجهات المنظمة لهذه الأنشطة، بدلاً من الاقتصار على الأفراد الذين ينفذونها.




