قصاصة من وجع الانتظار… قراءة أدبية في نص الأديبة القديرة نور النصيري

حسام مناف3 ساعات agoLast Update :
حسام مناف

مصعب احمد

الأديبة المتألقة نور النصيري، في قصاصتكِ «عن تلك المرأة الصامدة»، لا نقرأ حكاية امرأة فحسب، بل نلامس وجع روحٍ أنهكها الانتظار، وأتعبتها الأيام، حتى ظنّت أن الفرح قد نسي طريقه إليها. ثم باغتتها الحياة بلحظةٍ عابرة أعادت إلى قلبها نبضه، وأيقظت في داخلها أحلامًا ظنّت أنها ذبلت إلى الأبد.

لقد رسمتِ شخصية سعاد بعمقٍ إنساني مؤثر، وجعلتِ منها صورةً لامرأةٍ تقف على هامش الأيام، تراقب قطار الفرح وهو يتأخر، وتخفي خلف صمتها حكاياتٍ من الخيبات والانكسارات. امرأةٌ لم تعد تغريها مظاهر الحياة، لكنها، رغم كل شيء، كانت تحتفظ في أعماقها بشعلةٍ صغيرة تنتظر نسمةً تعيد إليها وهجها.

وما إن ظهر حسن في طريقها، حتى بدا اللقاء وكأنه نافذةٌ فُتحت فجأةً في جدار عمرها الطويل. لم يكن لقاءً عاديًا بين مسافرين جمعتهما مقاعد الحافلة، بل كان لقاء روحين استطاعت نظرةٌ عابرة أن تختصر بينهما مسافاتٍ من التفاهم، وأن توقظ في قلب سعاد إحساسًا غاب عنها طويلًا؛ إحساس الأمان، والقبول، والرغبة في أن تبدأ الحياة من جديد.

ما أجمل تصويركِ لتلك اللحظة التي تستيقظ فيها المشاعر دون استئذان، وتجد المرأة نفسها أمام قلبها حائرةً، تتساءل عن سرّ هذا الاضطراب الذي اجتاحها، وكأنها عادت صبيةً صغيرة تتلمّس أولى خطواتها نحو الحب. لقد جعلتِ من حسن أكثر من مجرد رجلٍ عابر؛ جعلتِ منه احتمالًا لحياةٍ أخرى، ورسالةً خفية تخبر سعاد بأن قلبها لم يمت، وأن العمر، مهما أثقلته التجارب، لا يزال قادرًا على منحنا بداياتٍ جديدة.

وأجمل ما في قصتكِ أن القصاصة الصغيرة لم تكن مجرد ورقةٍ تحمل رقم هاتف، بل كانت رمزًا لحلمٍ وُلد في لحظة، وكبر في الوجدان، ثم ضاع بين أقدام العابرين. يا لها من مفارقة موجعة! ورقةٌ صغيرة تضيع في زحام الطريق، فتترك خلفها امرأةً تبحث عن مصير فرحتها، وتتساءل إن كانت الحياة قد منحتها فرصةً حقيقية أم أنها كانت تستدرجها إلى خيبةٍ جديدة.

لقد نجحتِ في جعلنا نشعر بمرارة تلك اللحظة التي تكتشف فيها سعاد ضياع القصاصة؛ فالأمر لم يعد متعلقًا بفقدان رقم هاتف، بل بفقدان خيطٍ رفيع كان يربطها بأملٍ انتظرته طويلًا. وكأنها لم تفقد الورقة وحدها، بل فقدت معها احتمال اللقاء، وحقّها في أن تعرف ماذا كان يمكن أن يحدث لو بقيت القصاصة في يدها.

وما أقسى أن نلتقي إنسانًا في لحظةٍ نكون فيها بأمسّ الحاجة إلى الحياة، فيوقظ فينا كل ما اعتقدنا أنه مات، ثم يمضي دون أن يعلم أنه ترك وراءه قلبًا يعيد بناء أحلامه على ذكرى لقاءٍ قصير!

نور النصيري، لقد جعلتِ من قطار الفرح الذي طال انتظاره، ومن الحافلة التي جمعت سعاد بحسن، ومن القصاصة الضائعة، رموزًا تختصر حكاية الإنسان مع الأقدار؛ ننتظر طويلًا، وحين تلوح لنا الفرصة، قد لا نملك من أمرها شيئًا، وقد تفلت من بين أصابعنا لأسبابٍ تبدو صغيرة، لكنها تترك في أرواحنا فراغًا كبيرًا.

ولعلّ أكثر ما يوجع في حكاية سعاد أن بعض الأقدار تمنحنا نافذةً صغيرة نطلّ منها على الحياة، ثم تغلقها قبل أن نتمكن من العبور. فنظلّ عالقين بين ما عشناه من حلم، وما كان يمكن أن نعيشه لو أن يدًا لم تُسقط القصاصة، ولو أن للصدف رأيًا آخر.

وكم من حسنٍ مرّ في حياتنا عابرًا، وترك خلفه ألف سؤال! وكم من قصاصةٍ أضعناها، فظلّت أرواحنا تبحث عنها في زحام السنين! إن بعض الغياب لا يُنسى، وبعض الوجوه لا يطويها الزمن، لأنها لم تمرّ على أعيننا فحسب، بل مرّت على قلوبنا وتركت فيها أثرًا لا يمحوه النسيان.

إن مرور خمس سنواتٍ على ذكرى ذلك اللقاء، وبقاء حسن حاضرًا في وجدان سعاد، يكشفان لنا أن الزمن لا يقيس دائمًا أعمار المشاعر؛ فقد نعيش مع بعض الأشخاص سنواتٍ طويلة فلا يتركون فينا ما تتركه لحظةٌ واحدة مع إنسانٍ لامس أرواحنا بصدقٍ وعفوية. فليست العبرة بطول اللقاء، بل بعمق الأثر الذي يتركه فينا.

لقد جعلتِ من سعاد مرآةً لكل امرأةٍ قاومت عتمة الأيام، وظلّت تؤمن، رغم الخيبات، بأن في العمر متّسعًا لفرحٍ مؤجّل، وبأن القلب مهما طال سباته قادرٌ على أن يخفق من جديد. امرأةٌ تشبه كثيراتٍ أخفين خيباتهن خلف ابتسامةٍ هادئة، وتظاهرن بالقوة، بينما كانت أرواحهن تتوق إلى يدٍ حانية، وكلمةٍ صادقة، ولقاءٍ يعيد إليهن الشعور بأنهن ما زلن جديراتٍ بالحب والسعادة.

وهنا يتركنا النص أمام سؤالٍ موجع: هل كان حسن قدرًا لم يكتمل، أم كان مجرد عابرٍ جاء ليخبر سعاد أن قلبها لم يمت بعد؟ وهل كانت خسارتها الحقيقية في ضياع القصاصة، أم في أنها تركت سنوات عمرها أسيرةً لاحتمالٍ لم تعرف إن كان سيصبح حقيقةً يومًا؟

إنها أسئلةٌ لا تحتاج إلى إجاباتٍ بقدر ما تحتاج إلى قلوبٍ تفهم ما وراءها؛ فبعض الحكايات لا تُكتب لتمنحنا النهايات السعيدة، بل لتكشف لنا هشاشتنا الإنسانية، ولتذكّرنا بأن وراء كل وجهٍ هادئ حكايةً قد لا نعرف عنها شيئًا، ووراء كل امرأةٍ صامدة قلبًا يتمنى أن يستريح من عناء الانتظار.

الأديبة نور النصيري، لقد جعلتِ من القصاصة صوتًا، ومن الانتظار حكاية، ومن الحنين قلبًا ينبض بين السطور. أجدتِ رسم تلك المسافة الدقيقة بين الحلم والحقيقة، وبين فرحةٍ وُلدت في لحظة، ووجعٍ امتدّ سنوات. وجاءت قصتكِ محمّلةً بالشجن والحنين، نابضةً بتفاصيل الحياة العراقية، بطرقاتها وقراها ونخيلها وذاكرتها الشعبية، الأمر الذي أضفى على السرد روحًا محليةً دافئة، وجعل المكان شريكًا في الحكاية لا مجرد خلفيةٍ لأحداثها.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن نخرج به من حكاية سعاد أن الحياة لا تُختصر في فرصةٍ ضائعة، ولا ينبغي أن نظلّ أسرى بابٍ لم يُفتح. فربما لا يعود حسن، وربما تبقى القصاصة مفقودة، لكن القلب الذي استطاع أن ينبض من جديد قادرٌ على أن يستعيد فرحه، وأن يفتح نوافذه لرياحين أخرى، متى آمن بأن ما فاته ليس بالضرورة كل ما كُتب له.

بورك قلمكِ يا نور، ودام حرفكِ نافذةً للبوح، ومرآةً للمشاعر الإنسانية، وصوتًا لتلك الأرواح التي لا تجيد التعبير عن أوجاعها إلا بالصمت. لكِ من القلب تحيةٌ تليق بهذا الوجع الجميل، وبهذا السرد الذي يتركنا أمام حكايةٍ لا نعرف أكانت نهايتها ضياع قصاصة، أم ضياع عمرٍ كامل في انتظار مكالمةٍ لم تأتِ.

فبعض الحكايات لا تنتهي حين نطوي صفحاتها، بل تبدأ حين نغلق الكتاب، وتبقى شخصياتها تسكن ذاكرتنا، تثير أسئلتنا، وتوقظ فينا حكاياتٍ تشبهها. ستبقى سعاد وحسن شاهدين على أن لحظةً واحدة قد تختصر عمرًا من الشوق، وأن بعض الذين نلتقيهم مصادفةً يسكنون فينا إلى الأبد، حتى وإن لم يعرفوا يومًا كم أحببناهم، وكم من الأعوام قضيناها نبحث عنهم في وجوه العابرين.

كل التقدير والإعجاب للأديبة نور النصيري، التي جعلت من قصاصةٍ ضائعة حكايةً لا تضيع، ومن لقاءٍ عابر وجعًا خالدًا، ومن امرأةٍ تنتظر الفرح مرآةً لكل قلبٍ ما زال يؤمن بأن للحياة موعدًا آخر مع السعادة.

دام إبداعكِ، ودامت حروفكِ قادرةً على ملامسة أعماقنا، فبعض الأقلام لا تكتب الحكايات فحسب، بل تترك في أرواحنا أثرًا يشبه الندبة الجميلة؛ نلمسها كلما مررنا بذكرى، فنبتسم بحزن، ونتذكّر أن للحياة وجوهًا كثيرة، وأن بعض القصاصات، مهما ضاعت، تظلّ محفوظةً إلى الأبد في ذاكرة القلب.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة