«عمر القره غولي… حين يتكلّم الشعر بلسان الناس

حسام مناف5 ساعات agoLast Update :
حسام مناف

مصعب احمد

ليست قيمة الشاعر فيما يكتبه من أبيات فحسب، بل فيما تحمله كلماته من مواقف، وما تتركه قصائده من أثر في وجدان الناس. فالشعر، حين يلامس هموم المجتمع ويعبّر عن آلام الإنسان وتطلّعاته، يتجاوز حدود التعبير الفني ليصبح شهادةً على الواقع، وصوتاً للمهمّشين، ومرآةً تعكس ما يعتمل في حياة الناس من آمالٍ وانكسارات. ومن هذا المنطلق، تأتي تجربة الشاعر الشعبي عمر القره غولي، الذي اتخذ من القصيدة مساحةً للتعبير عن هموم الإنسان العراقي، ومن الكلمة وسيلةً لطرح القضايا التي تستحق أن تُقال ..

في الشعر الشعبي العراقي تتجلّى علاقةٌ وثيقة بين القصيدة والشارع؛ فالمفردة تستمدّ روحها من الحياة اليومية، والصورة الشعرية تنبع من تفاصيل الناس، فيما يكتسب النصّ قيمته من قدرته على ملامسة مشاعر المتلقّي والتعبير عن واقعه. وفي هذا الفضاء، يحضر القره غولي بصوتٍ شعريّ يرتبط بقضايا المجتمع، ويمنح الكلمة دوراً يتجاوز الزخرفة اللفظية إلى التعبير عن الموقف والرؤية ..

إن الشاعر الذي يضع هموم الناس في صلب تجربته لا ينظر إلى الشعر بوصفه غايةً جماليةً منفصلةً عن الحياة، بل يراه مسؤوليةً تتطلّب الصدق والجرأة والقدرة على مواجهة الأسئلة الصعبة. فالكلمة الصادقة لا تكتفي بوصف الخلل، وإنما تضعه أمام الرأي العام، وتفتح باب التفكير فيه، وتمنح المتضرّرين من الواقع مساحةً للتعبير عن معاناتهم. ومن هنا تنبع أهمية القصيدة التي لا تنفصل عن محيطها، ولا تتجاهل ما يعيشه الناس من أزماتٍ وتحدّيات ..

ولعلّ ما يمنح الشعر الشعبي مكانته في الوجدان العراقي هو قربه من اللغة اليومية، وقدرته على اختزال الحكايات الكبيرة في مفرداتٍ بسيطة تصل إلى القلب من دون حواجز. فهو فنٌّ يستمدّ قوّته من بيئته، ويعبّر عن ذاكرة المجتمع وتحوّلاته، ويمنح المشاعر الفردية بُعداً جماعياً. وحين ينجح الشاعر في تحويل معاناة الناس إلى نصٍّ مؤثّر، تصبح القصيدة مساحةً يلتقي فيها الخاص والعام، وتتوحّد فيها التجربة الشخصية مع إحساس الجماعة ..

ولا يعني الانحياز إلى قضايا الناس أن يتخلّى الشاعر عن فنيّة النصّ، بل إن التحدّي الحقيقي يكمن في الجمع بين صدق الموقف وجمال التعبير. فالشعر المؤثّر هو الذي يحافظ على روحه الإبداعية، من دون أن يفقد صلته بالواقع، وهو الذي يطرح الأسئلة من غير افتعال، ويعبّر عن الألم من غير استثمارٍ في معاناة الآخرين. وبذلك تصبح القصيدة أكثر من كلماتٍ تُتلى؛ تصبح تجربةً إنسانيةً تستحق الإصغاء والتأمّل ..

ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة عمر القره غولي بوصفها مناسبةً للحديث عن دور الشاعر الشعبي في الحياة العامة، وعن مسؤوليته تجاه الإنسان الذي يستمدّ منه مفرداته وصوره وحكاياته. فالشاعر لا يعيش بمعزلٍ عن مجتمعه، ولا تنتهي مهمّته عند حدود الكتابة، بل تتصل قيمة حضوره بما تثيره كلماته من أسئلة، وما تفتحه من نوافذ للتأمّل، وما تتركه من أثرٍ في ذاكرة المتلقّين ..

إن الاحتفاء بالشاعر ليس مجرّد إشادةٍ بشخصه، بل هو احتفاءٌ بالكلمة حين تظلّ قريبةً من الناس، وبالإبداع حين يحتفظ بصلته بالواقع، وبالقصيدة حين تمنح الإنسان شعوراً بأن صوته مسموعٌ وأن حكايته تستحق أن تُروى. فالأوطان لا تحفظ أسماء مبدعيها بما يكتب عنهم من مديحٍ وحده، وإنما بما يتركونه من أثرٍ في ثقافتها ووجدان أبنائها..

سلامٌ على الكلمة التي تنحاز إلى الإنسان، وعلى القصيدة التي تستمدّ قوّتها من صدقها، وعلى الشاعر الذي يرى في الحرف مسؤوليةً وفي الإبداع رسالة.

ويبقى عمر القره غولي، في وجدان محبّي الشعر الشعبي، اسماً يرتبط بالقصيدة العراقية وبقدرتها على التعبير عن هموم الناس. وتلك هي الغاية الأسمى للشعر حين يلتقي الإبداع بالمسؤولية، وتصبح الكلمة مساحةً للوعي، وجسراً بين وجع الإنسان وأمل الوطن.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة