من المجوعة القصصية للكاتب صلاح مهدي فرج

حسام مناف6 ساعات agoLast Update :
حسام مناف

خلف جدران المدينة

الفقراء وسوق مريدي

“الجوع لا يبرر السرقة ، لكنه يكشف الظلم”
نجيب محفوظ

في مدينة الثورة سابقًا، (الصدر حاليًا)، حيث تتشابك الأزقة والأسواق بحكاياتٍ من زمن مضى، انبثق سوق مريدي كرمزٍ حي للذاكرة الشعبيَّة التي يصعب محوها.
ابي تأسس هذا السوق على يد الحاج مريدي الفرطوسي، الذي وضع حجر الأساس لمحل صغير في قلب سوق شعبي بات اسمه يترددُ حتى خارج حدود العراق، ليس فقط بسبب نشاطاته التجاريَّة، بل لارتباطه الوثيق بأحداثٍ وتاريخٍ معقد. يحكي السوق قصة عراقٍ لم تهزمه الحروب ولا الحصارات، بل تحدّى ظروفًا صعبة وأزماتٍ متتالية، ليصبح ملاذًا لمن سعى للخلاص من الديكتاتورية عبر وثائق أُصدرت من هنا، ووثّقت حياة آلاف العراقيين الذين غادروا بلادهم بحثًا عن الأمان. بالرغم من محاولات الحكومات المتعاقبة تغيير أسماء المدن والأحياء، وسعيها الحثيث لمحو آثار الماضي، بقي سوق مريدي علامة فارقة في ذاكرة السكان، شاهدًا على مقاومة شعب لم يرضَ أنْ تُمحى جذوره.
واضاف ابي ان مريدي هو في ناحية العدل التابعة لقضاء المجر الكبير في محافظة ميسان، جنوبي مدينة العمارة، وُلد الحاج مريدي شحيت عويد مطرود الفرطوسي، في العام 1889. لم يكن يدري أنَّ اسمه، الذي اختصره الناس بمحبة وتقدير، سيتحوّل يومًا ما إلى واحدٍ من أشهر الأسواق الشعبيَّة في العراق، وربما في الشرق الأوسط كله، بل إلى أيقونة للذاكرة الشعبيَّة التي لا تموت. سرد لي والدي قصة الحاج مريدي، أنَّ مريدي نزح من لواء العمارة (محافظة ميسان حاليًا) باتجاه بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي، ومبررات النزوح هي البحث عن حياة أفضل من تلك التي كان يعيشها الفلاحون في ظل سطوة الإقطاع هناك. ولقلة فرص العمل في العاصمة تطوع مريدي في القوات المسلحة ليصبح جنديًا في الفوج الثاني التابع للواء الثاني، واستمرَّ في الخدمة لمدة 10 سنوات.
بعدها استقال من الجيش وتطوع في سلك الشرطة، لتستمر خدمته فيها حتى العام 1948، ليصدر بعدها بعام بحقه مع مجموعة من زملائه الشرطة كتاب عدم الحاجة، ليعدّوا فائضين. فكانت رحلته الجديدة في حياة مختلفة وصعبة بعد أنْ فقد وظيفته، ليمارس بعدها مهنة الزراعة في منطقة التاجي، ثم أبو غريب، بعد أنْ ضمن قطعة أرضٍ من الدولة. وكان أبناؤه يساعدونه في زراعتها، ثم بعدها امتهن البيع والشراء والعمل في الحِرف الشعبيَّة، وظلَّ يتنقل من عملٍ الى آخر، الى أنْ حدث فيضان بغداد العام 1954، لينتقل من منطقة المعامل التابعة لخان بني سعد الى منطقة العاصمة والمعروفة بـ (الشاكرية) في كرخ بغداد، وينشئ فيها محلًا صغيرًا داخل الدار يبيع فيه لأهل المنطقة مختلف المواد البسيطة. وبعد أنْ شرع الزعيم عبد الكريم قاسم بحملة كبرى لنقل مئات الآلاف من سكنة منطقتي (الميزرة والعاصمة)، المؤلفة من أكواخ على مدّ البصر، حيث شيّد لهم مدينة عماليَّة في جانب الرصافة شرقي بغداد، وأطلق عليها (مدينة الثورة)، تيمنًا بثورة تموز من العام 1958، ليحيل حياة فقراء العراق المحرومين من أبسط مقومات العيش الكريم إلى حياة أخرى أقل حيفًا وقسوة، بعد أنْ شرع الجيش العراقي ببناء بيوتٍ صغيرة بمساحة 140 متراً مربعًا، واقتلع أكواخ (الشاكريَّة) في الكرخ ليحيلها الى مدينة عامرة بالأحياء الراقية على أنقاض تلك الأكواخ والصرائف المصنوعة من مواد جلبها الفلاحون معهم من الأهوار وبقايا عهد الإقطاع المنهار. افتتح الحاج مريدي محلًا بسيطًا في قطاع 32 في مدينة الثورة لبيع المشروبات الغازية. كان ذلك المحل نقطة التقاء السائقين والنازحين من الجنوب،
وشيئًا فشيئًا، بدأ السوق يتوسع حول دكان مريدي، وبدأت معه الحكاية. كان الرجل، على فقره وطيبته، واسع الصدر، محبوبًا، ومصلحًا عشائريًا. لا تذكره عشائر الجنوب إلا بكل احترام. عرف عنه طوله الفارع، وملامحه الجنوبية الأصيلة، وعصبيته التي جعلت من كنيته (أبو جلوب) تعبيرًا عن شدّة قبضته إذا غضب. تزوج أربع نساء، وخلف أبناءً حملوا اسمه وذكره: (طالب، عبد الواحد، رحيم، كريم).
توفي الحاج مريدي في العام 1973، لكن اسمه لم يُدفن معه، بل بقي حيًا، يرفرف فوق سوق مريدي، الذي بات رمزاً للتحدي، للذاكرة، للناس البسطاء الذين يصنعون من العدم حياةً، ومن أسماء الأحياء حكاياتٍ لا تموت.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة