الرگعة وغيره يخلگ الله.. والشگ جبيرأغنية عزيز علي.. وجع عراقي لا تنهيه السنون

حسام مناف9 أكتوبر 2026Last Update :
حسام مناف


حسام مناف
لم تكن كلمات المونولوجست العراقي الكبير عزيز علي حين أطلق عبارته الشعبية الساخرة (الرگعة زغيره يخلگ الله.. والشگ جبير) مجرد كلمات عابرة أو نكتة أضحكت المستمعين في زمنها بل كانت صرخة نقدية تختصر واقعا حكوميا مأزوما وتعبّر عن معاناة المواطن العراقي الذي طال انتظاره للخدمات والحلول فيما ظلت مشكلاته تتراكم من دون أن تجد من يضع لها نهاية.
لقد امتلك عزيز علي شجاعة التعبير عن وجع الناس بلغة الشارع العراقي مستندا إلى المثل الشعبي والسخرية اللاذعة ليقول ما يعجز المواطن أحيانا عن قوله بصوت مرتفع. وكانت عبقريته تكمن في تحويل المعاناة اليومية إلى كلمات بسيطة لكنها تحمل في داخلها الكثير من الغضب والأسئلة والمرارة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم .. هل انتهى زمن تلك المعاناة بانتهاء المرحلة التي غنى فيها عزيز علي؟ أم أن كلمات الرجل ما زالت حية لأن الأسباب التي أطلقتها لم تختفِ بل وجدت لنفسها صورا وأشكالا جديدة؟
منذ عام 2003 الذي استبشر فيه العراقيون بالخلاص من الدكتاتورية وبداية مرحلة جديدة عنوانها الحرية والكرامة والحياة الأفضل كان الأمل كبيرا بأن يرى المواطن دولته تنهض من جديد، وأن تتحول الوعود إلى مشاريع والشعارات إلى خدمات والميزانيات الضخمة إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الناس.
لكن وبعد مرور أكثر من عقدين ما زال المواطن العراقي يواجه أزمات تتجدد ومشكلات تتناسل ووعودا تتكرر مع كل حكومة جديدة. فالكهرباء ما زالت هاجسا والخدمات دون الطموح والبطالة تثقل كاهل الشباب والفساد يستنزف المال العام فيما يجد المواطن نفسه مضطرا إلى التكيف مع أزمات لم يكن يفترض أن تبقى قائمة في بلد يمتلك من الثروات والإمكانات ما يؤهله لتوفير حياة كريمة لأبنائه.
والمؤلم أن المواطن لم يعد ينتظر المعجزات ولا يطالب بقصور من ذهب أو شوارع مفروشة بالورود إنه يريد خدمات أساسية تليق بإنسانيته وماء صالحا للشرب وكهرباء مستقرة ومستشفيات تقدم العلاج ومدارس تحفظ كرامة أبنائه وفرص عمل تمنح الشباب أملا بمستقبل أفضل.
فهل هذه المطالب أصبحت صعبة إلى هذا الحد؟ أم أن المشكلة تكمن في إدارة الدولة وفي غياب التخطيط والمحاسبة وفي تقديم المصالح الحزبية والشخصية على مصلحة المواطن؟
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأمور هو أن تتحول معاناة الناس إلى أمر اعتيادي وأن تصبح الأزمات جزءا من تفاصيل الحياة اليومية وأن يتعامل المسؤول مع غضب المواطن وكأنه ضجيج مؤقت سرعان ما يخفت حتى يأتي موعد أزمة جديدة تشغله عن سابقتها.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة فبينما تتغير الحكومات وتتبدل الوجوه وتتجدد الخطابات تبقى بعض مشكلات المواطن العراقي تدور في الحلقة نفسها وكأن الزمن توقف عند الكلمات التي أطلقها عزيز علي قبل عقود.
لقد كان المنولوج نقدا لواقع مضى لكن استمرار أسبابه يجعل منه شهادة على واقع لم يتخلص من علله. فالفن الساخر الذي ولد من رحم المعاناة لا يموت ما دامت المعاناة قائمة والأغنية التي كان يفترض أن تبقى جزءا من الذاكرة الفنية تتحول مع الأسف إلى مرآة يرى فيها العراقي صورته كلما تجددت الأزمات.
والسؤال الذي نضعه أمام المسؤولين لا أمام المواطن وحده هل سيظل العراقيون يرددون هذا المنولوج جيلاً بعد جيل أم ستأتي حكومة تجعلهم يستعيدونه بوصفه ذكرى من زمن مضى لا وصفا لحاضرهم؟
نريد أن يأتي يوم يضحك فيه العراقي عندما يسمع هذه الكلمات لا لأنها تصف واقعه بل لأنها تذكره بزمن تجاوز فيه تلك المعاناة. نريد أن تصبح أغنية عزيز علي جزءا من تاريخ الفن العراقي لا نشيدا يوميا يردده الناس كلما انقطعت الكهرباء أو تعطلت الخدمات أو اصطدموا بجدار الوعود.
فالعراق لا تنقصه الثروات ولا ينقص شعبه الصبر وإنما يحتاج إلى إدارة مسؤولة وإرادة جادة ومحاسبة حقيقية وحكومات تدرك أن منصب المسؤولية تكليف لخدمة الناس لا امتياز للاستفادة من الدولة.
وإلى أن يتحقق ذلك ستبقى كلمات عزيز علي حاضرة على ألسنة العراقيين لا لأنهم يعشقون اجترار الماضي بل لأن الحاضر لم يمنحهم ما يكفي لطي صفحاته المؤلمة.
فهل نسمع يوما عراقيا يقول انتهى زمن هذه الأغنية لأن زمن المعاناة انتهى؟ أم أن الأجيال القادمة ستجد نفسها مضطرة إلى ترديدها كما رددها آباؤها وأجدادها؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر إجابة لا تصنعها الأغاني بل تصنعها الحكومات بأفعالها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة