مواء .. قصة قصيرة لـ أحمد السلمان من مجموعته (ذاكرة الخراب) والصادرة عن دار السرد ٢٠٢٦

حسام مناف22 أغسطس 2026Last Update :
حسام مناف

جواد الحيداوي

القصة:
مواء القطة خلف باب غرفته يعيد ذكريات الحصار، الجوع وسجائر اللف وخبز بطحين نوى التمر، وصراخ الباعة المتجولين في الأزقة، وصوت الطائرات الحربية يرعد في سماء بغداد، إذ كانت المدينة تلف بطنها بخرقة لتقتل الجوع، على أمل أن يأتي فجر يبدد عتمة الليل الذي تعيشه، كل واحد يلهث وراء حلم ربما أحد أصدقائه قد حققه في أقصى العالم، لا صباح يشرق على بغداد تلك الليلة، الكل يلعن نفسه ويتمتم بصوت منخفض جدا خوفا من أذن السلطة. يجلسون في المقاهي يكتبون احلامهم في ذاكرتهم عبر الاحاديث ويتحدثون عن الغرب والهجرة، الوجوه الشاحبة كانت قد استوطنت المقهى، القطة مازالت تموء خلف الباب وغرفته عبارة عن قمامة لا شيء فيها سوى رائحة الحصار والقحط، والغريب أنه لم يكن يعبأ بكل الأشياء التي تحيط به، بغداد قلقة على مستقبلها وتستمع الى نشرة الأخبار بينما هو قد اشترى بطاريات لجهاز التسجيل الذي يملكه ليسمع اغنية ” من غير ليه”، صوت أمه تناديه بأن صديقا لك قد قدم إليك من الديوانية، وإذا بأعز اصدقائه نجاح قد وصل بغداد، الدخان يملأ السماء والظلام يرقد في كل بيت، كانت دهشته كبيرة عندما شاهد نجاح، استقبله كما الايام الخوالي في ليالي البصرة الجميلة، دعاه الى الهجرة والفرار معه، كان نجاح اكثر وضوحا وصحوا في رؤية للمستقبل وقراءته، بينما هو كان يغط في نوم عميق اسمه الوطن ألح عليه كثيراً ولكنه رفض وقرر البقاء كما القطة التي تموء خلف بابه.

القراءة النقدية:
يبدأ الكاتب نصه بمثير سمعي تمثل في “مواء” قطة، للدلالة على الجوع والانتظار، والذي استعاد الكاتب جزءاً منه هنا عبر تقنية الاسترجاع الفني (الفلاش باك)، ليسرد قصته عن مأساة جيل كامل بتكثيف متقن وسرد ديناميكي رائع. تناول في طياته الكافكائية، ووجع وألم بغداد حينها بعد أن أنسَن المدينة ومنحها الروح لتشعر مع أهلها بالمعاناة، وتلف بطنها بخرقة من وجع الجوع وهول سطوته، والخوف من مسامع السلطة فائقة التقاط الصوت وشديدة رد الفعل.
ثم نلمس إبداع الكاتب وتمكنه من نصه في تحويل المكان (المقهى) إلى فضاء يحتضن الأمنيات. وقد حاول جاداً رد بعض اللون على تلك الوجوه التي سرق الجوع والخوف لونها الحقيقي ومنحها الصفرة، ولكن القطة تعود مرة أخرى تموء في استحضار موفق للكاتب؛ لتذكير القارئ -بدلالة رمزية- على تمكّن المجهول الموحش من نيل الذاكرة والمستقبل بذات القدر من البطش، ليجعلهما ذاكرة خراب!
كان البطل يعيش اللامبالاة كآلة للدفاع وتقنية للديمومة والاستمرار، رغم غياب كل مقومات الاستمرار حينها. وهذا ما أراده الكاتب حين صوّر لنا تزامن شراء البطاريات لأداة التسجيل مع نشرة الأخبار.
ثم تظهر بعدها فرصة البطل للنجاة، والتي منحها الكاتب اسماً وصفةً تناسقا تماماً مع أيديولوجية فكرة النص، إلا إن الروح الوطنية لبطل قصة “السلمان” حالت دون نجاته، وكأنها سبات مشروع خَلَف بعد ذلك الكثير من أصوات الندم، والتي كان من ضمنها ذلك الصوت الذي بدئ به الاستهلال، لتُختم القصة ببنيتها الدائرية.. بالمواء.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة