حين تصبح الأشجان ملجأ يلوذ فيه البشرقراءة جوانية في مجموعة (ذاكرة الخراب) للقاص أحمد السلمان

حسام الشحماني10 أغسطس 2026Last Update :
حين تصبح الأشجان ملجأ يلوذ فيه البشرقراءة جوانية في مجموعة (ذاكرة الخراب) للقاص أحمد السلمان

داود السلمان

(1)
الكثافة والاختزال، وضغط الجُمل قد تُعد ادوات الكاتب الناجح، بل هو ما أراه كذلك، حيث يخفف الوطأة وعناء القارئ وهو يبحث عن ايقاع لغوي يشحذ به همته، للتواصل مع النص، فإذا وجد ما يسد رمق فضوله (والقارئ فضولي في بحثه عن الجمال) سيواصل قراءة النص – مهما كان نوع النص: قصة قصيرة، نص شعري أو حتى رواية.. الخ- وطرحي هذا قد يكون عاما، ومعمولا به على مستويات فكرية أيضا وليس أدبية وحسب.
(2)
القاص أحمد السلمان، وطالما عرفته لأكثر من عقدين من الزمن، فهو قاص له لونه في مجال الكتابة (القصصية). لكن الغريب في الأمر (إن جاز لي أن اعبّر عن ذلك) أنّه ضنين في كتاباته، ويشح بالنتاج.
وآخر ما وصلني منه هي هذه مجموعته القصصية الأخيرة الموسومة “ذاكرة الخراب”. تحتوي على اربعة وخمسين قصة قصيرة؛ انتقى فحواها القاص من واقعنا الراهن، ومن تجربته الخاصة، بمعنى جُل أحداث القصص هي سيرة لبعض أصدقائه (من مفارقاتهم، بوحهم، وصدماتهم النفسية، مثلا كقصة “المجنون” و “البكاء المرّ” و “عبد الرضا وحسن عجمي” و”مواء” وغير ذلك كثير. فالمجموعة هي من القطع المتوسط، تبلغ 123 صفحة، حيث تناول فيها القاص السلمان شتى الموضوعات، التي تخص إنسان اليوم هذا الانسان الذي يعيش تقلبات الحياة، والواقع المرير: من معاناة وآلام ومحن ونقص الحاجة، والحرمان الممض، وغير ذلك كثير، وهو مما يعكس حال القاص نفسه، والواقعية، ازاء مجريات الحياة المعاشة، فهو يعيش صلب هذا الواقع، بآلامه ومحنه وبتحدياته التي وصلت حد الجحيم.
فمن قصص هذه المجموعة التي اثارت اهتمامي (ومعظم هذه القصص مثيرة للاهتمام) ألا وهي قصة “سكرّي”.
(3)
تتناول القصة فكرة مواجهة الإنسان لحقيقة المرض والموت من خلال معاناة الأم (والدته) مع أمراض مزمنة مثل السكري والضغط وآلام المفاصل. الابن يرى ما تمر به أمه يوما بعد يوم، فبدأ يفكر كثيرا في معنى الحياة والنهاية الحتمية للإنسان. فهو يكرر أن الموت لا مفر منه، وأن الأمراض ما هي إلا طريق يقود الإنسان في النهاية إلى الرحيل، أي نهاية الحياة. هذه الأفكار جعلت الناس يصفونه بالمجنون، لأنه كان يتحدث عن الموت بلا خوف ويبدو مختلفا عن الآخرين في نظرته للحياة. تأثر الابن بحالة أمه جعله يعيش صراعا نفسيا عميقا بين رغبته في إنقاذها وبين شعوره بأن النهاية قادمة مهما حاول الأطباء. الأبن يرى أن الأدوية مجرد محاولة لتأجيل ما لا يمكن تجنبه. وأخيرا، يتخذ تصرفا غامضا؛ حيث يضع جميع الأدوية في جيبه ويغادر المكان، ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد يعرف عنه شيئا. هذه الخاتمة المفتوحة تترك القارئ يتساءل: هل هرب من الألم النفسي، أم كان يبحث عن معنى آخر للحياة بعيدًا عن المرض والمعاناة؟ وتعكس القصة أثر المرض على نفسية الإنسان وطريقة تفكيره، وبمعنى آخر تشرح غموض وعدم جدواها. والقاص أحمد السلمان كان موفق في طرح الفكرة، ومن ثم معالجتها معالجة موضوعية فلسفية. (راجع المجموعة ص 67)
(4)
قصة أخرى من قصص هذه المجموعة، كانت تحت عنوان “غريب في الحانة”. وكان مضمونها:
رجل ينتظر في الحانة بصمت ثقيل، كأن الوقت توقف عنده وحده. يجلس في الزاوية يحدّق في الباب كلما فُتح، وكأن شيئًا ما سيأتي مع الداخلين، هكذا يرسم الكاتب صورته. لكنه في لا يعرف ماذا ينتظر، ويظل ينتظر. ربما ينتظر أشياءه التي ضاعت منه منذ زمن؛ ضحكةً قديمة، أو صديقًا غاب، أو أياما كانت أخفّ على قلبه. لذا يسأل نفسه: هل يمكن للإنسان أن ينتظر الأمل وهو يشعر في داخله أن الأمل بعيد؟. أم أنه ينتظر الراحلين، مع أنه يعرف أن الراحلين لا يعودون؟. الفكرة وحدها تجعله أكثر ضياعا. الأصوات في الحانة تدور حوله، لكنّه لا يسمعها حقا. يشعر كأنه عالق بين ماضٍ لم يعد موجودا، ومستقبل لا يعرف طريقه إليه. ومع ذلك يبقى جالسا. لأن الانتظار أحيانا لا يكون لأجل شيءٍ محدد، بل لأن القلب لا يعرف كيف يتوقف عن الانتظار.
(5)
الاسلوب هذا يذكرني بالقاص زكريا تامر، فهذا الاسلوب الذي يكتب به أحمد السلمان، هو مشابه أو قل متماهي، لكنني في دواخلي، أشعر أن الاسلوب قريب جدا. وهذا لا يعني بالنسبة للسلمان مثلبة عليه، كلا، بل هو صورة شجن لإبداع واحد؛ فثامر قاص كان يسلط الضوء على واقعه، وينتشل الألم الذي هو ألم معظم الناس من الذين يعيشون في ظل متشابه، ظل يكسوه التعاسة وتعشعش في الآلام المبرحة. كذلك يفعل أحمد السلمان.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أخبار عاجلة